فهرس الكتاب

الصفحة 7843 من 28557

مباحث في الحاكمية: المبحث الأول: معنى الحكم لغة وشرعًا واستعمالاته في القرآن

ـ [أبو شعيب] ــــــــ [13 - May-2008, صباحًا 09:41] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم،

أبدأ - إن شاء الله - سلسلة من المباحث في الحاكمية، وسآتي على هذه المسألة بالتفصيل في كل نقطة، وعند انتهائي سأجمع هذه المباحث في كتاب وأنقحها وأهذبها، إن شاء الله.

وأرجو من الإخوة تصويبي إن زللت في أمر ما، وإثراء هذا البحث في المواضع القاصرة.

بسم الله الرحمن الرحيم،

المبحث الأول: معنى الحكم لغة وشرعًا.

أما لغة:

"قال ابن فارس: مادة (ح ك م) أصل واحد هو المنع ( [معجم مقاييس اللغة ـ 2/ 91 ـ مطبعة الحلبي] ) "

قال الراغب الأصفهاني ـ رحمه الله ـ(حَكَمَ: أصله منع منعا لإصلاح، ومنه سميت اللجام: حكمة الدابة، فقيل: حَكَمْته وحَكمْتُ الدابة: منعتها بالحكمة، وأحكمتها جعلتُ لها حكمة، وكذلك حكمت السفيه وأحكمته قال الشاعر:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم

والحكم بالشيء أن تقضي بأنه كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه، .. ويقال حاكم لمن يحكم بين الناس، ويقال الحَكَمُ للواحد والجمع وتحاكمنا إلى الحاكم) ( [مفردات ألفاظ القرآن ـ مادة حكم 248 ـ دار القلم] )

وأما التحاكم والتحكيم: فالعرب تقول: حكَّمت فلانا إذا أطلقت يده فيما يشاء واحتكموا إلى الحاكم بمعنى، ويقول العرب أيضا: حكمت وأحكمت وحكَّمت بمعنى منعت ورددت ( [تهذيب اللغة ـ 4/ 114] )

ونجد أن مادة الحكم تأتي في القرآن على عدة معان منها: الفقه والحكمة والفصل والقضاء والموعظة والفهم والعلم النبوة وحسن التأويل. ( [انظر الحكم والتحاكم في خطاب الوحي ـ عبدالعزيز مصطفى كامل ـ دار طيبة ـ ط: الأولى] ) " [[عن رسالة: حكم من تحاكم للطواغيت، للهرفي] ]"

قلت: وتأتي كذلك بمعنى الأمر الشرعي، كقول الله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43] (بمعنى، فيها أمر الله وشرعه) .

وكقوله تعالى: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الممتحنة: 10] .. بمعنى أمره وشريعته.

قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:"وقوله تعالى: {ذلكم حكم الله يحكم بينكم} أي في الصلح واستثناء النساء منه، والأمر بهذا كله هو حكم الله يحكم به بين خلقه"اهـ.

ولذلك تسمى الأوامر الشرعية أحكامًا.

ومن ذلك استدلال يوسف - عليه السلام - بالحكم لإثبات الأمر في قوله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاه} [يوسف: 40] .. بمعنى، إن الأمر لله وحده، وهو من يلزمكم بطاعته في أوامره، لا طاعة غيره من الطواغيت .. وهذه الآية نظير قوله تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]

ويأتي الحكم كذلك بمعنى المشيئة .. قال تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57]

قال ابن كثير في تفسيره:" {إن الحكم إلا لله} أي إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة"اهـ.

وتأتي كذلك بمعنى الرأي والظن، قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 4] .. وقد فسرها ابن كثير فقال:" {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي: بئس ما يظنون". اهـ.

وكذلك في قوله تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (*) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 - 36] .. قال ابن كثير:"أي: أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟ كلا ورب الأرض والسماء؛ ولهذا قال {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} ! أي: كيف تظنون ذلك؟"اهـ.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت