فهرس الكتاب

الصفحة 7844 من 28557

وجاء في الحديث: (( وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله. ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ) ).. بمعنى: أنزلهم على رأيك.

وفي الحديث الآخر: (( فقال: يا سعد إن هؤلاء نزلوا على حكمك. قال: فإني أحكم فيهم أن تقاتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، قال: حكمت بحكم الله، أو: بحكم الملك ) ).. بمعنى: نزلوا على ما تراه فيهم.

ومن المعاني المهمة لكلمة الحكم: الاتباع .. وهذا المعنى سيكون أساسًا في هذا البحث، إن شاء الله.

قال تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] ..

جاء في تفسير ابن كثير - رحمه الله:"وقوله تعالى: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} قرىء: وليحكم أهل الإنجيل بالنصب، على أن اللام لام كي، أي وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل ملته به في زمانهم، وقرىء وليحكم بالجزم، على أن اللام لام الأمر، أي ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب لستم على شي حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} الاَية، وقال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة} إلى قوله {المفلحون} . ولهذا قال ههنا: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} أي الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق، وقد تقدم أن هذه الاَية نزلت في النصارى، وهو ظاهر من السياق"اهـ

وقال الطبري في تفسيره:"والذي نقول به في ذلك، أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ قارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ. وذلك أن الله تعالى لم ينزل كتابًا على نبيٍّ من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أمروا بالعمل بما فيه، ولم ينزله عليهم إلا وقد أمرهم بالعمل بما فيه، فللعمل بما فيه أنزله، وأمرًا بالعمل بما فيه أنزله. فكذلك الإنجيل، إذ كان من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، فللعمل بما فيه أنزله على عيسى، وأمرًا بالعمل به أهلَه أنزله عليه. فسواءٌ قرئ على وجه الأمر بتسكين اللام، أو قرئ على وجه الخبر بكسرها، لاتفاق معنييهما."اهـ

جعل هذان الإمامان الحكم بمعنى الإيمان والعمل .. أي الاتباع.

لذلك تأول الخوارج - وهم عرب - آية: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} بمعنى: ومن لم يتبع ما أنزل الله وخالف، فهو كافر ..

ولذلك قال ابن حزم في الفصل:"أيضًا فإن الله - عز وجل - قال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} ، فيلزم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق، لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله."اهـ .. فسر الحكم هنا بمعنى الاتباع.

وعلى ذلك بنى السلف أقوالهم فيمن حكم بغير ما أنزل الله في واقعة ما، متبعًا لهواه، أنه فاسق، أو مرتكب لكفر أصغر .. قياسًا على سائر المعاصي .. حيث إن الحكم يكون بمعنى الاتباع، ومن اتبع هواه في أمر ما فقد عصى وفسق.

هذا والله أعلم.

ـ [أبومحمد الصعيدي] ــــــــ [13 - May-2008, صباحًا 10:50] ـ

مثال ذلك قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)

الدلالة الشرعية الاصطلاحية لكلمة يحكم: يشرع.

والدلالة الاستعمالية قد تكون: يشرع أو يقضي (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط) أو يجتهد (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين) ، حسب السياق.

والدلالة اللغوية: مَن خُيِّر فاختار فقد حُكِّم فحَكم.

فيكون معنى ? وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ?: مَن لم يشرع للناس ما شرعه الله لهم ليقضي به في مواضع النزاع، فيحل حلاله ويحرم حرامه فأولئك هم الكافرون.

أولئك: تعريف، هم تعريف، ال: تعريف، فالكفر هنا ينقل عن الملة.

والوصف تجرد عن مزاحمة أوصاف أو خصوصية محل فيكون منقحًا وهو محقق أيضًا ولبيان ذلك نقول:

• تنقيح المناط:

الحكم في قوله تعالى: (يسارعون في الكفر) ، ينصبُّ على محل هو اليهود متصف بعدة أوصاف هي: سمَّاعون للكذب، أكَّالون للسحت، يُحرفون الكلم عن مواضعه، لم يطهر الله قلوبهم وأراد فتنتهم، يتولون عن حكم الله في التوراة إلى غيره مما يدَّعون عدم الإيمان به، إيمانهم زعمٌ باللسان دون موافقة القلب، فهنا يوجد محل مع مزاحمة أوصاف، فلا ندري هل يختص هذا الحكم بوصف من الأوصاف دون غيره أو ببعض هذه الأوصاف دون غيرها أو يختص بها في حالة الاجتماع دون الافتراق أم يختص بكل وصف منها في حالة الانفراد والاجتماع، وهل للمحل تأثير بحيث لو وجدت هذه الأوصاف في غير هذا المحل لم يختص بهذا الحكم، إلى أن يأتي موضع النص من السياق فيتجرد الوصف عن المحل وعن مزاحمة الأوصاف في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ، وهو مناسب يدرك العقل مناسبته ويعتبر الشرع مثله، ويؤثر بحرف الفاء فيكون مناطًا كما سبق بيانه ثم في التحقيق كما مرَّ بتقديم الدلالة الاصطلاحية على إرادة الدلالة الاستعمالية أو القياسية اللغوية الإفرادية ثم الدلالة الاستعمالية في السياق تتفق مع الدلالة الاصطلاحية على إرادة معنى يشرع من لفظ يحكم، وليس معنى يقضي أو يجتهد.

ولكن هناك قاعدة أن الدلالات الإفرادية والاستعمالية يكون لها حظ من الحكم، وإن لم تكن مرادة، إذا كانت الدلالة الشرعية الاصطلاحية هي المرادة، وعليه قيل كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، للجور في القضاء، والجرأة على الاجتهاد، ومطلق المخالفة الشرعية مع بقاء الالتزام بشرع الله.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت