فهرس الكتاب

الصفحة 5067 من 28557

*** من أرض الكنانة إلى ضفاف الخليج ... ثغرات على طريق""المراجعات"..."

ـ [عبدالرحيم التميمي] ــــــــ [14 - Jan-2008, مساء 04:00] ـ

عاشت أمة الإسلام قرونًا زاخرة من العز والتمكين، ثم كان الانهيار التدريجي للكيان الواحد عبر حلقات، تمثل آخرها بسقوط الدولة العثمانية، عندها برزت جهود علماء الإسلام ومصلحيه ودعاته لإعادة الأمة إلى هويتها، سيما بعد رواج الرايات الجاهلية في حقبة ما بعد الاستعمار.

وبعد أفول وهج هذه الرايات وارتفاع راية البعث الإسلامي، دخلت الحركات الإسلامية في مرحلة الصدام مع الأنظمة، والتي تباينت بين الخيار المسلح ابتداء أو المعارضة البرلمانية، والتي أفضت إلى خيار العنف المسلح، كما في الجزائر، وبين الخيار السلمي الإصلاحي، كما فعل دعاة الصحوة في الخليج.

وقد انجلى غبار هذه المواجهة بعد دخول رموزها للمعتقلات، ثم خروجهم منها إلى"مراجعات منهجية"للتجربة السابقة، بعضها وثق بكتب ومؤلفات، كما فعل رموز الجماعة الإسلامية بمصر، والبعض الآخر لم يوثق ولكنها ظاهرة للعيان عبر خطاب رموزها المختلف عن خطاب المرحلة السابقة، كما فعل رموز تيار الصحوة في الخليج.

ونتيجة لعدم وجود رباط تنظيمي بين رموز هذا التيار، تباينت طبيعة مراجعاتهم ما بين أقوام اختاروا خيار العزلة والانكفاء على الذات، وآخرون قفزوا للجهة المقابلة، ليأخذوا دورهم ضمن قوافل الشعراء والمداحين، وطائفة ثالثة باقية على خيار الإصلاح، وإن اختلفت طرائقها بشأنه، والحقيقة أن مبدأ المراجعات يعد علامة نضوج وتجرد، ينبغي مباركته وتطبيعه في أوساط الحركات الإسلامية، مهما اختلفنا في تقويم بعض تجاربه.

لقد كان لتلك الفترة المتوهجة للصحوة في التسعينيات آثارًا إيجابية وثمارًا مباركة على الأفراد والمجتمعات الإسلامية، لا يمكن لمؤرخ منصف أن يتجاهلها أو يقلل من مكتسباتها.

إذ ركزت تلك الرموز آنذاك في خطابها الدعوي على"النخبة المتدينة"، ومن كانوا يعتبرونهم"طليعة البعث الإسلامي"، وربما بالغت في حث الناس على الالتحاق بها، وقد كان لهذه الطليعة من الشباب من الجنسين أعمالًا رائعة ومشاريع مباركة، لا تزال المجتمعات الإسلامية تجني ثمارها الطيبة، وإن كانت هذه الثمار تلفت سريعًا في الحالة المصرية بسبب السير في خيار العنف.

لقد رأت بعض القيادات الدعوية أنه لا بد من إشراك"عموم الناس"في خطابهم الدعوي، وجعل"الإسلام"همًا شعبيًا في الشارع العربي، إذ إن الدعوة الإسلامية عمَت، لتشمل كافة الشرائح حتى العصاة والمقصرين، وفي اعتقادي أن هذا المبدأ لا غبار عليه، إلا أن ثمة أخطاء وقعت فيها هذه القيادات في إطار التسويق لخطابها المذكور، وهو إهمال"النخبة المتدينة"والتقليل من شأن ميزاتها، تحت حجج وذرائع متعددة، فعلى سبيل المثال عندما يتحدث الداعية عن الفنون، من أفلام ومسلسلات وبرامج، أو عن منهجية التعامل مع"الآخر"، تجده يحرص على تقديم خطاب لبق يتناغم مع أهواء الناس وواقعهم، أو مع طبيعة الخطاب الإعلامي العربي، ذي الخصائص الثقافية الغربية، وقد يختم كلامه بالحديث عن الضوابط الشرعية لهذه الأعمال والفعاليات، ولكنه يتناسى أن الواقع ينطق بفقره أو خلوه من هذه الضوابط، وفي النهاية ينجح الداعية في جذب بعض المفرطين والمقصرين خطوة للتدين، ولكنه في نفس الوقت يساهم في تقريب بعض المتدينين لدور السينما والفن الهابط خطوات ...

وما ظاهرة ما يُسمى بـ"الدعاة الجدد"عنا ببعيد ... فقد أفرزت شبابًا متدينًا في ظاهره، ولكنه لا يمانع لديه من حضور حفلات مارسيل خليفة أو غيره من المغنين، ومتابعة أحدث ما أنتجته هوليود من الأفلام الأمريكية، والاختلاط بين الجنسين، مع غيبوبة فكرية تعشعش في أدمغتهم عن نوازل الأمة المدلهمة، وهم لا يفعلون ذلك عن غفلة أو هوى، بل يرون في سلوكهم ونظرتهم، الفهم الحقيقي للتدين ...

لقد ساهم هذا الخطاب الجديد للقيادات بتسويق مثل هذه الظاهرة، فهي إن لم تكن داعمة له بشكل مباشر عبر ذكر محاسنهم، بحجة الإنصاف، فإنها تقدم خطابًا عامًا فضفاضًا يساهم في التسويق لهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت