ـ [ابو البراء الغزي] ــــــــ [09 - Mar-2010, صباحًا 11:36] ـ
النجم
الاحد 21 ربيع الأول 1431 الموافق 07 مارس 2010
د. أحمد بن صالح الزهراني
أبو عبد الله مالك ابن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة.
قال سفيان بن عيينة: «مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجة زمانه» .
وقد ورد عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قوله: «ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة» .
قال الذهبي: «ولم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكًا في العلم، والفقه، والجلالة، والحفظ، فقد كان بها بعد الصحابة مثل سعيد بن المسيب، والفقهاء السبعة، والقاسم، وسالم، وعكرمة، ونافع، وطبقتهم، ثم زيد بن أسلم، وابن شهاب، وأبي الزناد، ويحيى بن سعيد، وصفوان بن سليم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وطبقتهم، فلما تفانوا، اشتهر ذكر مالك بها، وابن أبي ذئب، وعبد العزيز بن الماجشون، وسليمان بن بلال، وفليح بن سليمان، والدراوردي، وأقرانهم، فكان مالك هو المقدم فيهم على الإطلاق، والذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق، رحمه الله تعالى» .
وفي ترجمته أنّه كان رجلًا مهيبًا نبيلًا، ليس في مجلسه شيء من المراء، واللغط، ولا رفع صوت.
وكان مجلسه مجلس وقار وحلم.
وكان يقول: «والله ما دخلت على ملك من هؤلاء الملوك حتى أصل إليه، إلاّ نزع الله هيبته من صدري» .
قال الشافعي: «إذا ذُكر العلماء فمالك النجم» .
ولقد صدق الشافعي وبرّ.
ونجومية الإمام مالك تتجاوز كونه هاديًا لعلوم الشريعة مثله مثل بقية العلماء، فكلهم نجوم بهذا المعنى، لكنّه نجم بمعنى الارتفاع والسموّ والشهرة والتميّز .. فقد كان رحمه الله نجمًا بحق وحقيقة.
نجوميّة هذا الإمام الفذّ لم يسع إليها، ولم يبذل لها دينه، كما فعل بعض نجومنا هذه الأيّام ..
ونجوميّة هذا الإمام ليس للخصوم وأعداء الشريعة يد فيها، كما يحدث مع نجومنا هذه الأيّام ..
بل نجوميّة الإمام مالك جاءت على رغم أنوفهم جميعًا .. سواء من كان منهم خصمًا له بسبب سلطانه، أو بسبب فكره وانحرافه العقدي ..
حسنًا لماذا نذكر اليوم مالكًا؟
نذكره اليوم لأنّي في الحقيقة أجد صعوبة في تقبل صورة العالم الذي يعيش دهره لا يُمتحن، وليس ذلك بلازم في واقع الأمر، لكنّ سنن الله تعالى جرت منذ الأزل أنّ أهل العلم الصادقين يُمتحنون خاصّة في علاقتهم بأهل السياسة.
فإذا كان الأئمة في العصور المتقدمة التي نعرف جميعا أنّها خير من عصورنا هذه والجهات السياسية أقرب للشريعة والدين كان الصدام بين الحاكم والعالم واقعًا بسبب حزم الأئمة في قول الحق.
أنا على يقين أنّك أخذت من النبذة اليسيرة التي قدمتها عن مالك صورة تفيض مهابة وجلالة ووقارًا وسكينة.
وأنا على يقين أنّ ذهنك يصعب عليه تصوّر أنّ هذا الإمام الفذّ الّذي لم يفتِ حتّى شهد له سبعون من علماء المدينة أنّه أهل لذلك يتعرّض لصورة مهينة ومريرة من التعذيب النفسي والبدني قد تكون فتنة لإمام مسجد أو داعية مغمور.
وسبب ما تعرض له الإمام مالك من الضرب هو أنّ الولاة كانوا يأخذون البيعة على الناس بتحليفهم بالطلاق، ومن أبى نُكّل به.
فلمّا سُئل مالك عن هذا قال: إنّ هذا الطلاق لا يقع ولو نكث الرجل بيعته؛ لأنّه طلاق بالإكراه، واستدل على هذا بأثر عن ابن عبّاس.
قال محمد بن جرير: كان مالك قد ضُرب بالسياط، حدثني العباس بن الوليد، حدثنا ابن ذكوان، عن مروان الطاطري، أن أبا جعفر المنصور نهى مالكًا عن الحديث: «ليس على مستكره طلاق» ثم دسّ إليه من يسأله، فحدّث به على رؤوس الناس، فضربه بالسياط.
وحدثنا العباس، حدثنا إبراهيم بن حماد، أنه كان ينظر إلى مالك إذا أقيم من مجلسه، حمل يده بالأخرى (يعني أنّها تعطّلت بسبب خلعها) .
(يُتْبَعُ)