وقال ابن سعد: حدثنا الواقدي قال: لما دُعي مالك، وشوور، وسمع منه، وقبل قوله، حسد، وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة، سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده، قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجُبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو.
ساق الذهبي هذا في السير ثمّ علّق فقال: «هذا ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير، ومن يرد الله به خيرا يصب منه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل قضاء المؤمن خير له» وقال الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ) . [محمد:31] ، وأنزل تعالى في وقعة أحد قوله: (َوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) . [آل عمران: 165] .
وقال: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) . [الشورى:30] .
فالمؤمن إذا امتحن صبر واتعظ، واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه، فالله حكم مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه، ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له».
هكذا فُعل بالإمام مالك في القرن الثاني، فما بالنا في القرن الخامس عشر نرى غالب أهل العلم أكثر النّاس عافية - إلاّ من رحم الله -.
فإمّا أنّ الولاة أكثر دينًا وتقوى من ولاة تلك الأزمنة، وإمّا أنّ العلماء الصادقين أصبحوا أقلّ من العيوق الأحمر.
أمّا الاحتمال الأوّل فلا أشكّ في بطلانه، وأمّا الآخر فهو الّذي يدمي القلب، وهو الذي شكا منه عمر إلى الله: جلد الفاجر وعجز الثقة.
قلتُ: وقد سألت نفسي: لماذا يتجشّم الوالي ضرب مالك وإهانته، وهو قادر على أن يجيّش أعدادًا من العلماء يخالفونه فيشهر أقوالهم على المنابر كما يفعلون هذه الأيّام؟
أم أنّ ولاة هذه الأيام أكثر مراعاة لحرية الرأي وحقوق العلماء؟
والجواب: أنّ هذا غير وارد في ذلك الزمان؛ لأنّ النّاس تعرف ممن تأخذ أقوالها، فالولاة على الرغم من جورهم السياسي كانوا قائمين على حراسة الشريعة؛ فلا يُسمح بتطفّل الحمقى والأنصاف على موائد الشريعة، لا كزماننا هذا الّذي ضُيّعت فيه الأمانة، وفُسح المجال لكلّ من هبّ ودبّ ودرج أن يقول ويفتي ويحل ويحرم، كما كان أهل العلم أنفسهم يقومون بهذا الواجب وبكل صرامة، فلا تُعطى التزكيات العلمية بالمجاملة والقرابات.
ونتيجة لذلك أصبح النّاس يعلمون تمامًا ممّن يأخذون دينهم.
في السير عن ابن وهب أن مالكًا لما ضُرب حلق وحمل على بعير فقيل له: «نادِ على نفسك» قال فقال: «ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي وأنا أقول: «طلاق المكره ليس بشيء» . قال: فبلغ جعفر بن سليمان أنه ينادي على نفسه بذلك فقال: «أدرِكوه أنزِلوه» .
أرأيت!
وشيء آخر أنّ الساحة العلمية بتكوينها العقدي والأصولي والديني كانت تقوم بعملية فرز تؤدي إلى إبراز الإمام القدوة الّذي يصبح كلامه سُنّة متّبعة لا تقليدًا، وإنّما جزاء على حسن اتباعه للنّبيّ صلى الله عليه وسلّم وتأسّيه به، ولهذا كان يصعب على الوالي آنذاك أن يجد من أهل العلم من يعارض مالكًا، ولو فعل ووجد فإنّه يكتب نهايته، ويوقع صكّ انتحاره، ولهذا شعر الوالي أنّه بحاجة إلى قول مالك نفسه، فلا يبطل قول مالك إلاّ مالك، ولمّا عجز عن إقناعه لا بقول الباطل بل بالسكوت عن الحق فعل به ما فعل.
حسنًا، فلماذا كان مالك النّجم؟
في الحقيقة هذا لم يكن خاصة خُصّ بها مالك، بل في كلّ عصر كان لله في أرضه نجوم يرجع إليهم النّاس في دينهم، ولن يخلو الزّمان من قائم لله بحجّة، ومن صادع لله بحق، ومن آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر، وإن كان في زماننا هذا أصبح عملة نادرة، لكنّ الله وبلطفه الخفيّ لا يزال يمتحن هذه الأمّة ببلايا ومحن تكدّر خاطر المؤمن، لكن ممّا يذهب عنه الحزن أن يبرز فيها صادقون من أهل العلم يقولون بالحق ولا يخافون لومة لائم، يبتليهم الله ويبتلي بهم، (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) . [الأحزاب:8] .