ـ [العاصمي من الجزائر] ــــــــ [08 - Oct-2008, مساء 01:24] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخوتي الكرام
يسرني ان انقل اليكم هذا المبحث المهم من كتاب:
"أخطاء المؤرخ ابن خلدون في كتابه المقدمة"للدكتور خالد كبير علال رجاء الاستفادة من تعقيبات القراء
أصدر ابن خلدون أحكاما قاسية و غريبة في حق العرب، و في بعضها ذم صريح لهم،و إنقاص من مكانتهم، فهل قصد بذلك أهل البادية، أم أهل الحضر، أم قصدهم كلهم بدوا و حضرا؟ و ما هي الأحكام التي أصدرها في حقهم؟.
فبالنسبة للتساؤل الأول، فقد ذهب الباحث فاروق النبهان إلى القول بأن ابن خلدون استخدم مصطلح العرب، وقصد به الأعراب،و هم أهل البادية الذين يسكنون الصحراء، ثم قال إن كلام ابن خلدون لا يستقيم إلا إذا قلنا إنه يقصد الأعراب، فهل قوله هذا صحيح؟
لقد تبين لي من تتبع أقوال ابن خلدون في أحكامه التي أطلقها على العرب، أنه أطلق اسم العرب على العرب كلهم بدوا و حضرا معا، و لكنه قد يطلقه على البدوا تحديدا، و قد يطلقه على الحضر فقط، و قد يطلقه عليهم كلهم، دون أن يفرق بينهم من حيث اللفظ، و هو بلا شك يُدرك الفرق بين عرب البادية و عرب المدينة، لكنه مع ذلك أطلق اسم العرب على الجميع، حتى و إن قصد أحدهما تحديدا، بحكم أن مصطلح العرب يشملهم جميعا، فعرب البادية و عرب المدينة في النهاية كلهم عرب، و قد نجد القبيلة العربية الواحدة، تجمع بين سكن البادية و الحضر، فبعض أفرادها يسكنون الحضر، و آخرون يسكنون البادية،و جميعهم عرب.
و بناء على ذلك فنحن لا نوافق ابن خلدون في تعميمه لذلك المصطلح،و التسوية المطلقة بين الأعراب و أهل الحضر، نعم كلهم عرب، لكن لعرب البادية خصائص و وضعيات و أحوال تختلف عن عرب المدينة، و قد فرّق الشرع بينهم، قال تعالى (( الأعراب أشد كفرا و نفاقا ) )-سورة التوبة /97 - ، و (( و من الأعراب من يُؤمن بالله و اليوم الآخر، و يتخذ ما يُنفق قربات عند الله و صلوات الرسول، ألا إنها قربة ) )-سورة التوبة /99 - . و قد نهى رسول الله -عليه الصلاة و السلام- أصحابه عن التعرّب، أي الرجوع إلى حياة البادية.
و الشواهد الآتية تثبت ما قررته عن ابن خلدون، أولها إنه عندما تكلم عن زوال دول العرب، قال إنهم في الأصل أمة متوحشة همهم نهب ما عند الناس، و حتى عندما كونوا دولا منذ زمن الخلافة الراشدة، فقد زالت بسرعة،و تقوّض عمرانها و أفقر ساكنه. فواضح من كلامه أنه يقصد العرب جميعا بدوا و حضرا، فأهل التوحش و النهب ما عند الناس، هم الأعراب، و الذين كونوا الدولة الراشدة و الأموية و العباسية، هم عرب المدينة.
و الشاهد الثاني هو إن ابن خلدون قال إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية، أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة، بسبب خُلق التوحش المتأصل فيهم. و كلامه هذا صريح كل الصراحة في أنه يقصد أساسا العرب من أهل الحضر، لأن الملك الذي حصل للعرب كان في أهل المدينة،و فيهم ظهر الإسلام أساسا و كونوا دولته.
و الشاهد الثالث هو إن ابن خلدون قال إن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك، لأنهم أكثر الناس بداوة، و من طبعهم نهب ما عند غيرهم، و حتى إنهم عندما ملكوا كان ذلك بسبب الدين، فلما تركوه نسوا السياسة،و عادوا إلى بداوتهم. و هذا أيضا نص صريح في أن ابن خلدون يقصد بمصطلح العرب، البدو و الحضر معا، فكلهم عرب و هم الذين قصدهم، فهم أهل البادية الذين ينهبون ما عند غيرهم، و هم الذين كونوا دولا باسم الإسلام، و هم الذين عادوا إلى البداوة عندما تركوا الدين، و عليه فإن ما ذهب إليه الباحث فاروق النبهان غير صحيح، و لا يستقيم كلام ابن خلدون عن العرب إلا مع الذي ذهبنا إليه.
و أما عن الأحكام التي أصدرها ابن خلدون في حق العرب، فسنذكر منها ثلاثة، أولها إنه قال: (( إن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط ) )، بسبب طبيعة التوحش التي فيهم، فلا يطلبون إلا الأمور السهلة،و لا يركبون المخاطر،و لا يذهبون إلى المزاحفة و المحاربة إلا دفاعا عن النفس.
(يُتْبَعُ)