و أقول: أولا إن حكمه هذا خاطئ من أساسه،و لا يصح إصداره في حق أي شعب من الشعوب، شرعا و لا عقلا، و ليس له في زعمه هذا دليل شرعي، و لا عقلي،و لا تاريخي، فكيف سمح لنفسه بإصدار هذا الحكم المطلق الجائر المضحك؟، نعم ليس له في ذلك دليل صحيح، و هو حكم لا يصح إصداره في حق أي أمة من الأمم، لأن كل الشعوب لها القابلية و الاستعداد للنهوض و السقوط، و الانتصار و الانهزام، و هي المتحكمة في زمام أمرها، فإذا اجتهدت و توحدت انتصرت و حققت أهدافها، و إذا تناحرت و تكاسلت و اختلفت فيما بينها، انهزمت و ذهب ريحها و فقدت مكانتها بين الدول، قال تعالى (( و تلك الأيام نداولها بين الناس ) )-سورة آل عمران/ 140 - ، و أما ما زعمه ابن خلدون فهو زعم باطل و مضحك، بعيد كلية عن النظرة العلمية الموضوعية الصحيحة.
و ثانيا إنه لو كان العرب لا يتغلبون إلا على البسائط ما وصف الله تعالى العرب المسلمين بأنهم خير أمة، في قوله تعالى (( كنتم خير امة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر ) )-سورة آل عمران/110 - . و ما حملهم أيضا مسؤولية تبليغ رسالته إلى البشرية جمعاء، و ما وعدهم أيضا بالنصر المؤزر،و التمكين في الأرض، في قوله تعالى: (( و عد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم،و ليمكنن لهم دينهم الذي أرتضى لهم ) )-سورة المائدة /9 - . و لاشك أن أمة لا تتغلب إلا على البسائط، لا يمكن أن يصفها الله تعالى بتلك الصفات، و لا يُحملها تلك المسؤوليات الجسام، و لا يعدها بتلك الانتصارات و التمكين في الأرض، و بما أنه وصفها و وعدها بذلك، فلا شك أنها أهلا لذلك.
و ثانيا إن ما وعد الله به العرب المسلمين قد تحقق على أيديهم على أرض الواقع، فحققوا انتصارات باهرة، و هزموا دولتي الفرس و الروم، و ملكوا أراضيهم و أموالهم، و كانت لهم دول في المشرق و المغرب، كدولة الراشدين، و دولة بني أمية بالمشرق و الأندلس، و دولة بني العباس، و كانت لهم أيضا انتصارات باهرة في مقاومتهم للاستعمار الغربي الحديث، فهل أمة تلك هي انتصاراتها يُقال فيها إنها لا تتغلب إلا على البسائط؟ و هل الذي حققته هو من البسائط؟، و أليس ما حققه العرب المسلمون من انتصارات لم تحققه شعوب إسلامية أخرى؟، فمال بال ابن خلدون يخص العرب بذلك الحكم الجائر، دون غيرهم من باقي شعوب العالم الإسلامي؟!.
و أما الحكم الثاني الذي أصدره ابن خلدون في حق العرب فهو أن (( العرب إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب ) )، لأنهم أمة وحشية استحكمت فيهم عوائد التوحش و أسبابه، فصار لهم خلقا و جبلة، همهم نهب ما عند الناس، و رزقهم في ظلال رماحهم، و عندما تغلبوا و ملكوا تقوّض عمرانهم الذي بنوه، و أقفر ساكنه، و عندما اجتاح عرب بنو هلال و بنو سليم بلاد المغرب خرّبوها، و كان ذلك في القرن الخامس الهجري.
و قوله هذا غير صحيح على إطلاقه، و هو مجازفة من مجازفاته، بدليل الشواهد الآتية، أولها إن العرب أنشئوا أوطانا و مدنا قبل الإسلام، و بعضها ما يزال قائما إلى يومنا هذا، كاليمن و مدنها القديمة، و أخرى في باقي مناطق الجزيرة العربية، كمكة المكرمة و المدينة المنورة. و أنشئوا أخرى في العصر الإسلامي، و هي ما تزال عامرة إلى يومنا هذا، كمدينة البصرة، و الكوفة، و الفسطاط، و القيروان، و بغداد و سامراء.
و الشاهد الثاني هو إن العرب أقاموا دولا بعضها عمر طويلا، و بعضها الآخر لم يعمر طويلا، شأنهم في ذلك شأن باقي دول شعوب العالم الأخرى، فمن دولهم التي لم تعمر طولا الخلافة الراشدة عمرت 30سنة، و دولة بني أمية بالمشرق، عاشت 91سنة، و أما التي عمرت طولا، فمنها الدولة الأموية بالأندلس، فقد عاشت أكثر من 200سنة، و الدولة العباسية عمرت 524سنة. و مقابل ذلك هناك دول أخرى كثيرة ليست عربية عاشت أقل من قرن من الزمن، كدولة القرامطة، و الدولة المرابطية، و الدولة الأيوبية. و بذلك يتبين أن ما زعمه ابن خلدون غير صحيح تماما، و لا يختلف العرب عن غيرهم في مسألة سقوط الدول و استمرارها، لأن الأمر يتوقف على أسباب و ظروف بشرية داخلية و خارجية كثيرة، و لا دخل فيها للأعراق و الأجناس.
(يُتْبَعُ)