فهرس الكتاب

الصفحة 11466 من 28557

و الشاهد الثالث هو إن قوله بأن التوحش جبلة في العرب و متأصل فيهم مهما تحضّروا هو قول باطل من أساسه لا يصدق على العرب،و لا على غيرهم من الأمم، لأن البشر كلهم لهم استعداد للتحضر و النهوض و الرقي، كما لهم استعداد للسقوط و التدهور و الانعزال و التخلف، فالظروف البشرية الداخلية و الخارجية هي السبب الأساسي في نهوض أمة و سقوط أخرى. كما أن العرب لم يكونوا كلهم بدوا أجلافا، فقد كانت لهم حضارات عامرة قبل الإسلام، في جنوب الجزيرة العربية و شمالها، و الإسلام ظهر بين الحضر بمكة و المدينة، و لم يظهر بين الأعراب، و نهى الصحابة عن التعرّب و العودة إلى حياة البادية، مما كان له الأثر البعيد في دفع العرب المسلمين إلى إنشاء المدن و الإقامة فيها، و ما يزالون يقطنونها إلى يومنا هذا بالجزيرة العربية و العراق و الشام و غيرها من البلاد.

و الشاهد الرابع هو إن مثال بني هلال و بني سليم الذي ذكره ابن خلدون، لا يصدق على كل العرب، و لا يخص بني هلال و بني سليم دون غيرهم من قبائل شعوب العالم، و لا يصدق عليهم في كل زمان و مكان. فالأعمال التي صدرت عن هؤلاء في تخريبهم لكثير من مظاهر العمران بالمغرب الإسلامي، ليست خاصة بهم و لا بالعرب عامة، و إنما هي موجودة في كل بدو العالم تقريبا، ببلاد المغرب و فارس و خراسان و الصين وغيرها. و مثال ذلك قبائل المغول، فهي قبائل بدوية متوحشة، اجتاحت المشرق الإسلامي و دمرته تدميرا خلال القرن السابع الهجري و ما بعده. و كذلك قبائل الغجر في أوروبا المعاصرة، فهم يُفسدون و يُقلقون و ليسوا عربا. و عليه فإنه من الخطأ الفاحش إصدار ذلك الحكم على العرب بطريقة فيها تأكيد و تأبيد.

و أما الحكم الثالث، فهو قوله: (( إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة، أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة، بسبب خلق التوحش الذي فيهم،و هم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة و الأنفة و بعد الهمة، و المنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم ) ).

و ردا عليه أقول: أولا إن ذلك الحكم لا يصح إطلاقه على أية أمة من الأمم، لأنه لا توجد علاقة حتمية بين الدين و الدولة، فقد تظهر الدولة و يتخلف الدين، و قد يظهر الدين و تتخلف الدولة، و قد كانت للعرب دول في جنوب الجزيرة العربية و شمالها قبل أن يظهر الإسلام، هذا إذا كان ابن خلدون يقصد بالدين الإسلام فقط، أما إذا كان يقصد مطلق الدين، فلا شك أنه كانت للعرب أديان قبل الإسلام، مع العلم أن كل الدول المعروفة التي ظهرت في العصور القديمة كانت تقوم على الدين، و لم يكن ذلك خاصا بالعرب دون غيرهم من الأجناس.

و ثانيا إن للعرب في العصر الحديث دول كثيرة معظمها لا يقوم على الدين، و إن تظاهر به بعضها، فهي لا تحتكم إليه في سياستها،و لا في اقتصادها، و لا في اجتماعها، و لا في قانونها، و لا في علاقاتها الخارجية، و بعضها يُحارب الدين و أهله علانية، فكيف إذن تمكنت هذه الدول من تكوين دول عربية بعيدا عن الدين في معظم أحوالها؟.

و يتبين مما ذكرناه إن ابن خلدون في استخدامه لمصطلح العرب كان يقصد العرب جميعا بدوا و حضرا، و لم يخص البدو بأحكامه القاسية دون الحضر، و قد ناقشناه فيها و بينا أنه كان مخطئا في إطلاقها عليهم جميعا، و إن صدقت على بعضهم فلا تصدق عليهم كلهم،و لا تخصهم دون غيرهم، و لا تصدق عليهم -إن صدقت- في كل زمان و مكان.

ـ [أبو هارون الجزائري] ــــــــ [10 - Oct-2008, مساء 09:50] ـ

أظن أن ابن خلدون ـ رحمه الله ـ كان يقصد همج بني هلال الذين أرسلهم السلطان العبيدي (ما يسمى بالدولة الفاطمية) محاولة منه لإعادة السيطرة على بلاد المغرب والقضاء على الدولة الزيرية التي تخلت عن مذهب الباطنية، فما كان من بني هلال إلا أن اقتحموا القيروان وفعلوا فيها الأفاعيل من تدمير وتخريب. وفي تلك الأيام كان معظم أهل المغرب حينها من البربر وكانوا يطلقون كلمة العرب على الغزاة ـ والله أعلم ـ

وعلى إثر هذا نشأت في بلاد المغرب قلاقل سياسية واضطربات بين بني هلال والبربر، لكن كما يقال: رب ضارة نافعة، فبقدوم بني هلال توطدت اللغة العربية عند المغاربة، فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرا لكم.

ومن فضل الله على تلك البلاد أن الله قد هدى بني هلال في النهاية إلى الحق فعادوا إلى رشدهم وتركوا المذهب الباطني الخبيث.

ـ [سالم ناظر] ــــــــ [18 - Aug-2009, صباحًا 07:42] ـ

ربما قصد العرب الذين جاءوا إلى المغرب الأمازيغي من أجل الغنائم و الأسرى و العبيد, و القضاء على خصوصية ثامزغا الثقافية بالتعريب, و ليس الشرفاء الذين جاءوا من أجل الفتح و الدعوة الإسلامية, فتاريخ الاسلام عرف خلافة راشدة من الخلفاء الخمسة آخرهم عمر إبن عبد العزيز و غيرهم أظن مماليك و سلطويين و دنيويين, ربما يقصد هؤلاء, لكن على أية حال لا يقصد الشرفاء الملتزمون بتعاليم الإسلام و قيمه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت