فهرس الكتاب

الصفحة 23317 من 28557

هل يصح إطلاق القول بأن كفار قريش"موحدون لله تعالى في ربوبيته"؟ أم أن لذلك ضابطًا؟

ـ [أبو شعيب] ــــــــ [01 - Mar-2010, صباحًا 07:05] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم،

كثيرًا ما نرى في كتب علمائنا أن كفار قريش كانوا يوحّدون الله - عز وجل - في ربوبيته، وإنما وقع الشرك فيهم في جانب الألوهية والعبادة.

وأول من أظهر هذه المقولة - بحسب علمي - هو شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، وتابعه في ذلك من أتى بعده.

فعليه، أطرح هذه المسائل للحوار، وسأحاول الإجابة عنها قدر المستطاع.

1 -هل وحّد كفارُ قريش اللهَ - عز وجل - حقًا في ربوبيته؟

2 -ما التوجيه الصحيح لكلام شيخ الإسلام - رحمه الله - في قوله ذاك؟

أقول - بعون من الله وحده:

المسألة الأولى: بيان أن كفّار قريش أشركوا بالله - تعالى - في ربوبيته:

لقد سجّل القرآن الكريم على كفار قريش خروقات ونواقض واضحة لتوحيد الربوبية، ومن ذلك:

• أولًا: اعتقاد البنوة في الله - تعالى:

فأصل شرك هؤلاء الكافرين هو اعتقاد البنوة في الله - عز وجل - لشركائهم، فزعموا أنهم أبناء أو بنات الله - عز وجل -، وأفضى ذلك إلى اعتقاد الشفاعة الشركية فيهم، فعبدوهم من دون الله - تعالى -.

نعم، كانوا يعتقدون أن الله - عز وجل - خالق كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، ويجير ولا يجار عليه، وما إلى ذلك، ولكنهم لم يصحّ عندهم في تصوّرهم وظنّهم أن هذا كائن دون أعوان وظهراء يقوم بهم ملكوت الله - عز وجل -. فجعلوا الله - سبحانه وتعالى - محتاجًا ومفتقرًا إلى هؤلاء الشركاء، وأنه من دونهم لا يقوم لملكه قائمة، سبحانه وتعالى عمّا يشركون ويفترون.

يقول الله - تعالى: {قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يونس: 68]

يقول الطبري في تفسيره عند هذه الآية:

يقول - تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون بالله من قومك: يا محمد، اتخذ الله ولدًا؛ وذلك قولهم: (الملائكة بنات الله) . يقول الله منزهًا نفسه عما قالوا وافتروا عليه من ذلك: {سبحان الله} ، تنزيهًا لله عما قالوا وادَّعوا على ربهم. {هو الغني} يقول: الله غنيٌّ عن خلقه جميعًا، فلا حاجة به إلى ولد، لأن الولد إنما يَطْلُبه من يطلبه، ليكون عونًا له في حياته، وذكرًا له بعد وفاته، والله عن كل ذلك غنيٌّ، فلا حاجة به إلى معين يعينه على تدبيره، ولا يَبيدُ فيكون به حاجة إلى خلف بعده. {له ما في السموات وما في الأرض} ، يقول - تعالى ذكره: لله ما في السموات وما في الأرض مِلْكًا، والملائكةُ عباده ومِلْكه، فكيف يكون عبد الرجل ومِلْكه له ولدًا؟

وكان هذا الولد - بحسب معتقدهم - يشفع عند الله - تعالى - من غير إذنه، ولا رضاه، بل لعل الله - عز وجل - في معتقدهم يخاف غضبه أو تمردّه عليه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. لذلك لا تكاد تجد آية في القرآن فيها ذكر الشفاعة، إلا ويُذكر معها الإذن بها من قِبَل الله - عز وجل -. كقوله في آية الكرسي: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} .

فاعتقاد مثل ذلك من أكبر القوادح في توحيد ربوبية الله - تعالى -، إذ لم يجعلوه مستقلًا بحكمه وملكه، بل جعلوه مفتقرًا محتاجًا إلى غيره ليقوم بهم سلطانه وملكوته، سبحانه وتعالى عمّا يقولون.

وحيث إنهم كانوا يعتقدون الشفاعة في معبوداتهم الباطلة من دون الله - تعالى -، دون إذنه، فإنهم أثبتوا بذلك مشيئة مستقلة عن مشيئته، وأن الله - تبارك وتعالى - لا يشاء شيئًا إلا مقرونًا بمشيئة هؤلاء الشركاء، وهذا شرك في الربوبية ولا بد. لذلك عندما قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت؛ قال له: أجعلتني لله ندًا؟ .. بما يُفيد أن ادعاء المشيئة المستقلة الفاعلة بذاتها دون إذن الله، هو شرك أكبر.

وقال - تعالى: {وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100]

قال ابن كثير - رحمه الله:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت