ـ [االباحث] ــــــــ [31 - Oct-2008, مساء 09:22] ـ
العربية نت / دروس التاريخ لا تخطئ في استنتاج العبر واستشراف النتائج المستقبلية اذا ما أحسنّا القراءة. لقد كتبت في عام 2004 في صحيفة الحياة اللندنية تحت عنوان:"اليوم التالي لهزيمة الولايات المتحدة في العراق"، مقالا استشرافيا يتوقع الزلزال الاقتصادي الذي نشاهده اليوم. يومها سمح المشرف على الصفحة الفكرية لنفسه بأن يشطب جملة من آخر المقال تقول: لن يكون هناك مستقبل للولايات المتحدة بعد ذلك. وبرر ذلك بأن هناك مبالغة لا تليق بي كمحلل سياسي!! مع العلم بأنني كنت أصرّ على هذا الاستنتاج ولم أتراجع عنه يومًا.
الوصول لهذا الاستنتاج لم يكن اعتباطيًا، بل كان نتيجة مقارنة أحوال الولايات المتحدة ما قبل هزيمتها في فيتنام وبعدها، التي حوّلت، أي تلك الهزيمة، الولايات المتحدة من مقرض للعالم الى مقترض، وبدأت بإظهار علامات العجز في الميزانية وفي الميزان التجاري.
دروس التاريخ تقول إن الامبراطورية البريطانية رغم أنها خرجت منتصرة في الحرب العالمية الاولى، إلا أن الاجتماع الاول للحكومة البريطانية بعد نهاية الحرب الذي كرّس لتقييم النتائج السياسي والاقتصادية، أظهر أن الخزينة كانت فارغة، مما استدعى إعادة مليون جندي، من أصل مليون وثلاثمئة ألف جندي كانوا منتشرين ما بين الهند والاراضي المصرية مرورا بكل المستعمرات العربية والافريقية وغيرها، وذلك لكي يساهموا في إعادة الدورة الاقتصادية وللتخفيف من العبء الاقتصادي لانتشارهم. ذلك لان الحروب تحتاج الى مال وبدون مال لا يمكن شن الحروب أو استمرارها. كما تخلت بريطانيا عن مشروعي تقسيم تركيا الى ثلاث دول كما كانت قد خططت لو قدر لها إمكانية احتلال تركيا، وتراجعت عن مشروع احتلال أفغانستان الذي أظهر ايضا انه مكلف بالأرواح والأموال.
بعد الحرب العالمية الثانية تبين أن الذي موّل الحرب أساسًا على كل جبهات الحلفاء، بما فيها الجبهة الروسية، وبالطبع كلفة الحرب للجيش البريطاني والفرنسي والمقاومات الوطنية في كل العالم، كانت بنسبة كبيرة الولايات المتحدة، هذا المجهود الاقتصادي انتهى مع نهاية الحرب بمشروع مارشال الذي أعاد إعمار أوروبا والذي أثبت أن قيادة العالم الجديد اقتصاديا وسياسيا وعسكريا أصبحت للولايات المتحدة. وتراجع الاستعمار القديم المفلس لتحل محله هيمنة الولايات المتحدة.
ظهور القطب المنافس للولايات المتحدة الاميركية المتمثل بالاتحاد السوفياتي لم يشكل أثناء الحرب الباردة إلا عوائق نسبية تؤخر الهيمنة الاميركية في بعض البلدان وتفرض جيوبولتيك المعسكر الاشتراكي الذي لم يكن في جوهره لا ثمرة تطور ثورات اشتراكية في بلدان هذا المعسكر ولا ثمرة تجربة اقتصادية مختلفة عما كانت عليه الدول الرأسمالية، بقدر ما كانت موجودة، كما كانت بصورتها وأنظمتها، كنتيجة للانتصارات العسكرية التي حققها الجيش الاحمر في الحرب العالمية الثانية. فحيث ارتفع علم الجيش الاحمر أقيمت دولة اشتراكية. وهزم الجيش الأحمر في أفغانستان وكان لذلك أثر على مكانته في العالم وما تكشفت عنه هذه الحرب من ضعف اقتصادي، كان معلومًا ولكن محميًا بالقوة الأمنية، فما إن ذهبت الحماية الامنية حتى انهار جدار برلين وانهار معه المعسكر الاشتراكي، بل انفجر الاتحاد السوفياتي نفسه الى عدة جمهوريات، ليشكل على اثر ذلك روسيا الاتحادية، المؤلفة بدورها من احدى وعشرين جمهورية اليوم والعديد من مناطق الحكم الذاتي الاخرى التي تشكل ما بقي موحدًا من بقايا الاتحاد السوفياتي تحت راية روسيا الاتحادية. هذا الدرس يقول إن الهزيمة العسكرية مع الاقتصاد الهش في دولة القوميات المتعددة لا تؤدي الى تراجع الامبراطورية فقط عن لعب دورها: امبراطورية، كما حصل مع بريطانيا العظمى، بل يؤدي الى تفكك الكيان الى كيانات صغيرة ودول متعددة لكي تخرج علينا النتائج بجغرافيا سياسية جديدة مع كل ما يعني ذلك من توابع اقتصادية واجتماعية وسياسية على الصعيد العالمي، خاصة اذا كان حجم الجغرافيا القديمة بحجم الاتحاد السوفياتي الذي كان يعادل مساحة قارة بأكملها.
(يُتْبَعُ)