فهرس الكتاب

الصفحة 9615 من 28557

النذر لغير الله، هل هو شرك أكبر مطلقًا؟

ـ [أبو شعيب] ــــــــ [23 - Jul-2008, مساء 01:21] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم،

هذا مبحث مختصر، جمعت فيه أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في مسألة النذر لغير الله تعالى .. ومتى يكون شركًا أكبر، ومتى يكون شركًا أصغر .. فهو ليس نوعًا واحدًا، بل يتضمن الشركين، بحسب ما نذر به.

وأبدأ بتعريف النذر لغة وشرعًا.

لغة: النَّحْبُ، وهو ما يَنْذِرُه الإِنسان فيجعله على نفسه نَحْبًا واجبًا، وجمعه نُذُور [انظر لسان العرب، باب: ن ذ ر]

وشرعًا: إلزام الإنسان المكلف نفسه ما ليس واجبًا عليه شرعًا تعظيمًا للمنذور له .. وهذا هو نذر العبادة.

وقد يصح في معاني النذر كذلك الشكر .. كأن يلزم المرء نفسه بإكرام فلان إن هو أسدى إليه خدمة ما .. ولا شيء في ذلك.

وقد يصح فيه أيضًا التحقير أو التهديد .. كأن يلزم المرء نفسه بأن يقتل أو يضرب فلانًا إن هو عصاه في أمر ما.

فالنذر له أحوال .. فما كان من نذر عبادة، كان النذر عبادة لله .. ليس لذاته، ولكن لغايته.

فمحض النذر ليس بعبادة أصلًا، إلا إن اقترن بعبادة.

يقول ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى: 27:136]

وَأَمَّا الْأَشْجَارُ وَالْأَحْجَارُ وَالْعُيُونُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَنْذِرُ لَهَا بَعْضُ الْعَامَّةِ، أَوْ يُعَلِّقُونَ بِهَا خِرَقًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، أَوْ يَأْخُذُونَ وَرَقَهَا يَتَبَرَّكُونَ بِهِ، أَوْ يُصَلُّونَ عِنْدَهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ: فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى

جعل هذا النوع من النذر من أسباب الشرك بالله تعالى .. ومعلوم أن أسباب الشرك هي شرك أصغر.

ويقول في النذر للموتى [مجموع الفتاوى: 11/ 504] :

وَأَمَّا"النَّذْرُ لِلْمَوْتَى"مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَشَايِخِ وَغَيْرِهِمْ، أَوْ لِقُبُورِهِمْ أَوْ الْمُقِيمِينَ عِنْدَ قُبُورِهِمْ. فَهُوَ نَذْرُ شِرْكٍ وَمَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى. سَوَاءٌ كَانَ النَّذْرُ نَفَقَةً أَوْ ذَهَبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِمَنْ يُنْذِرُ لِلْكَنَائِسِ؛ وَالرُّهْبَانِ وَبُيُوتِ الْأَصْنَامِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} "وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نَذْرَ الْمَعْصِيَةِ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ بَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا إذَا كَانَ النَّذْرُ لِلَّهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ النَّذْرُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهُوَ كَمَنْ يَحْلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَهَذَا شِرْكٌ. فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا وَفَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ. وَمَنْ تَصَدَّقَ بِالنُّقُودِ عَلَى أَهْلِ الْفَقْرِ وَالدِّينِ فَأَجْرُهُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ."

وَأَصْلُ عَقْدِ النَّذْرِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ:" {إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرِ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ} "وَإِذَا نَذَرَ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ؛ دُونَ مَا لَمْ يَكُنْ طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى.

جعل النذر لغير الله مساويًا للحلف بغيره .. وأوجب عليه الاستغفار ولم يوجب عليه كفارة ..

لو كان هذا النوع من النذور شركًا أكبر، لقال إنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل .. كما هو مشهور من كلامه عند الحديث عن الشرك الأكبر في مواضع كثيرة .. ولكنه فقط ألزمه بالاستغفار، وجعله مساويًا للحلف بغير الله.

ويقول في موضع آخر في [مجموع الفتاوى: 33/ 123] :

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت