فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [عبدالرحيم التميمي] ــــــــ [12 - Nov-2008, صباحًا 12:20] ـ
منذ بزوغ فجر الصحوةالإسلامية، بوصفها ظاهرة شاملة لكافة البلدان العربية، تلمست أجيالها الواعدة حقيقة الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة، جراء بُعدها عن المنهج الرباني في إدارة شؤونها العامة، وإحلال القوانين الوضعية والتي لم يكتف مصدروها ومستوردوها بتنحية شريعة الإسلام، بوصفها دستورًا لمعظم البلاد العربية، بل تم تقليم بقايا القيم والمبادئ العادلة في تلك النظم المستوردة، ترسيخًا لاستبداد الجبابرة، وللحيلولة دون استعادة الأمة لهويتها وثقافتها.
وعندها سعت الحركات الإسلامية لاسترجاع حق الأمة الإسلامية في أن تحكم بشريعة ربها، تباينت الرؤى والأساليب في ذلك، بين النهج القتالي، والنهج السلمي القائم على المشاركة في العملية البرلمانية، وقد شكلت المحاضن الدعوية والتربوية بإنجازاتها الكبيرة، رافدًا شعبيًا ودعويًا للخيار الإسلامي، والنهج القتالي خبت ناره بعد الثمار المرة التي جنتها الحركة الإسلامية منه عمومًا، بينما لم تحقق المساعي السلمية الهدف المنشود، بيد أن إنجازاتها ورؤوسها، ظلت باقية تنكمش حينًا وتتوهج حينًا آخر، كما ساهم موقفها السلمي وامتناعها عن الدخول في المعركة، حاسرة الرأس ومكشوفة الظهر، في جعلها عصية على قوى الاستئصال.
لقد ظلت محاضن الصحوة ومدارسها المختلفة، تربي أجيالها، على أن الإصلاح السياسي لا يعدو أن يكون وسيلة لتحقيق الغاية الكبرى، التي من أجلها خُلق الإنسان في هذا الكون، وهو عبادة الله وحده، ومن أخص صور تلك العبودية سيادة شريعة ربهم في بلدانهم وانقيادهم لحكمه، فلم تكن الحركة الإسلامية وفق محدداتها ومبادئها، تطمح في معارضتها السلمية، بنقد بعض صور الانحراف السياسي أو الدخول في الانتخابات، في تحقيق مغنم دنيوي أو حتى الاكتفاء ببعض صور الرفاه الاقتصادي والعدل الاجتماعي لبلدانها، بمعزل عن الهدف الأسمى وهو سيادة الشريعة، وإن كانت توقن أن سيادة الشريعة، تعني ولاشك، تحقيق مثل هذه الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية تبعًا.
وعبر هذه الرؤية، يمكننا أن نفرق بين حزب سياسي"صرف"، ليس لديه هوية ثقافية وثوابت شرعية، تحدد دوائر تحركاته وتحالفاته، فهو يدير نشاطه السياسي من منطلق سياسي دنيوي صرف، فيعمد عند ضعفه إلى التحالف مع أي طرف قوي، ودائمًا ما يملي عليه الواقع أداءه، بمعزل عن أي شيء خلا المصلحة الحزبية القريبة، فإذا جاء محتل أجنبي لبلده، عمد إلى التحالف معه ومشاركته في الحكم تحت ضغط الضرورة، حتى يفضي الأمر لأن يوقع أحد رموزه، أحكام الإعدام والسجن بحق المقاومين للمحتل الأجنبي، وبين حزب سياسي، بخلفية شرعية منبثقة من دين الإسلام، وتحدد هذه المرجعية أطر حراكه السياسي، بما فيه من مجال رحب في قضايا التحالفات وتقدير المصالح والمفاسد، ولكنه قد يعتزل أي معركة سياسية أو ينأى عنها بموقف خاص به، حفاظًا على ما هو أغلى من كل مكاسب سياسية آنية، وهو ثقافته وثوابته والنصح الرشيد لأتباعه.
فالأول، يشكل"الوصول إلى السلطة"الهدف الرئيس لوجوده، وهو وإن رفع بعض الشعارات التي تستهوي الجماهير، إلا أنه على استعداد لنسف أي قيمة إنسانية أو مبدأ نبيل قام عليه في سبيل تحقيق هدفه الأكبر، وهو الوصول إلى السلطة، وطائفة من المفكرين والمثقفين يعتبرون هذه البراجماتية ضرورة من ضروريات العمل السياسي، والمنصفون منهم يعدون ذلك شرًا لا بد منه، وأما الحزب السياسي الذي يستمد من مرجعية إسلامية، فهو يرتكز على ثوابت شرعية لا يمكن المساس بها، ولا يعد السباق البرلماني إلا وسيلة لتحقيق الهدف الأسمى، وهو سيادة شريعة الإسلام على أهله، فعندما تتحول هذه الوسيلة إلى"غاية"، يراق في سبيل تحقيقها عديد من الثوابت الشرعية، ويستتبع هذا السباق واللهاث بين دهاليز البرلمانات والتنافس الحزبي، محاولة الخصوم حشر الحركة الإسلامية في الزاوية، وتخييرها بين الإيمان باللعبة الديمقراطية، بعجرها وبجرها، وبين إيمانها بحاكمية الشريعة، فتستجيب الحركة الإسلامية لمطالب خصومها، وبالتالي السعي لقلب المعادلة، التي بنت الصحوة أجيالها عليه، بجعل الهدف الأسمى لها، تحقيق الرفاه الاقتصادي والإصلاح السياسي عبر برنامج
(يُتْبَعُ)