فهرس الكتاب

الصفحة 19968 من 28557

ـ [محمد الجزائري الثاني] ــــــــ [08 - Sep-2009, صباحًا 01:46] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

التفويض .. الجهل والجفاء

قرر السلف الصالح أن صفات الله - تعالى - معلومة المعنى ومجهولة الكيفية، كما قال الإمام مالك بن أنس - وكذا شيخه ربيعة الرأي: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» 1.

وبيَّن ذلك شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني (ت 449هـ) قائلًا: «وقد أعاذ الله - تعالى - أهل السُّنة من التحريف والتشبيه والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه ... » 2.

فأفصح في هذه العبارة عن مجانبة السلف طرائق التحريف والتمثيل والتكييف، ولزوم سبيل التعريف والتفهيم خلافًا لأرباب التجهيل والتفويض.

وقال قِوام السُّنة الأصفهاني (ت 535هـ) : «ينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها؛ فيعظموا الله حق عظمته، ولو أراد رجل أن يعامل رجلًا طلب أن يعرف اسمه وكُنْيَتَه، واسم أبيه وجدِّه، وسأل عن صغير أمره وكبيره؛ فالله الذي خلقنا ورزقنا، ونحن نرجو رحمته ونخاف من سخطه أَوْلَى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها» 3.

فمعاني الصفات الإلهية معلومة؛ إذ إن الله أمر بتدبُّر القرآن كله في عدَّة آيات، فقال - سبحانه: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُإلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 92] وقال - تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَأَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 42] .

والتدبُّر هو: أن يفهم آيات القرآن ويعقِلها ويعلم معانيها، وأشرَفُ ذلك آيات الصفات ... «وإذا كان الله قد حَضَّ الكفار والمنافقين على تدبُّره، عُلِمَ أن معانيه مما يمكن للكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها؛ فكيف لا يكون ذلك ممكنًا للمؤمنين؟ وهذا يبيِّن أن معانيه كانت معروفة بيِّنةً لهم» 4.

وأما أهل التفويض5 والتجهيل؛ فهم القائلون بأن نصوص الصفات ألفاظ لا تُعْقَل معانيها، ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها، ولكن نقرؤها ألفاظًا لا معاني لها؛ فجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يُفهم6!

ومذهب التجهيل والتضليل وإن كان مقابلًا لمذهب أهل التحريف والتأويل المذموم، إلاَّ أن منشأ الاشتباه واحد؛ إذ إن طائفتَيِّ التفويض والتحريف قد انقدح في أذهانهم أن في إثبات نصوص الصفات تمثيلًا وتشبيهًا7؛ فنفوا الصفات الإلهية التي دلَّت عليها نصوص الوحيين، واستروحوا إلى التفويض تارةً، والتحريف تارةً أخرى8، كما في جوهرة (الأشاعرة) :

وكل نصٍّ أوْهَمَ التشبيها /// /// /// أوِّلْه أو فوِّض ورُمْ تنزيها

ومن ذلك أن أبا المعالي الجويني سلك التعطيل والتحريف، كما في كتابه (الإرشاد) ثم أعقب ذلك بالتفويض والتجهيل في (الرسالة النظامية) 9.

ولئن كان الأشاعرة والماتريدية ونحوهم يترنَّحون بين تأويل مذموم وتفويض مجهول؛ فيسوِّغون المذهبَيْن بدعوى: «أن مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم!»

والمصيبة أن متسنِّنَةً في هذا العصر قد غشيتهم هذه اللوثة؛ فتوثبوا على عقيدة السلف الصالح، وتنكَّبُوا الهدى والنور، والعلم والبصيرة، ولَحِقهم الولع والهوس بمذهب التجهيل والتفويض، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور10.

ولئن كان التفويض ناشئًا عن جهل بمذهب السلف، أو ضلال بتصويب طريقة الخلف، فربما كان باعث ذلك الشهوة وحظوظ النفس، والتفلُّت من لزوم الصراط المستقيم: «إن النفوس فيها نوع من الكِبر؛ فتحبُّ أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري - رحمه الله: ما ترك أحد شيئًا من السُّنة إلا لِكِبْر في نفسه، ثم هذا مظنَّة لغيره؛ فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويصير فيه من الكِبْر وضعف الإيمان بالله ما يفسد عليه دينه» 11.

ويقال لهؤلاء المفوِّضة: ها أنتم تثبتون أن الله - تعالى - ذاتًا - تليق به سبحانه - تعقلونها وتعْلَمونها، فكذا أسماؤه وصفاته - عز وجل - تُعلم وتُعْقَل؛ فالقول في الصفات كالقول في الذات12.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت