ـ [ابو البراء الغزي] ــــــــ [13 - Mar-2010, مساء 12:09] ـ
الشيخ د. محمد بن موسى الشريف
لقد كان لعلماء شنقيط صولات وجولات في العلم لكن ربما لأن قطرهم بعيد جدًا فقد سقطوا من ذاكرة الأمة، هذا وفيهم جهابذة كبار، وحالهم هذا يشبه حال أهل اليمن، وقد ذكر الشوكاني أن علماء اليمن -على عظمتهم- قَلّ من يعرفهم في مصر والشام والعراق، وهذا لبعد بلادهم وعزلتهم فيها، فإن كان هذا حال اليمن فكيف يكون حال شنقيط إذن؟
ولد الشيخ محمد في موريتانيا، ونشأ في طلب العلم وحفظ القرآن العظيم والمنظومات العلمية كما ينشأ طلاب العلم في بلده لكنه توسع في دراسة الأدب والشعر الذي كان سائدًا في المنطقة آنذاك، ولما بلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا أي في سنة 1318 ذهب إلى المغرب لطلب العلم ودار في مدنها: الصويرة ومراكش والدار البيضاء والرباط، ومنها كان ينوي الذهاب إلى فاس حاضرة العلم والعلماء في المغرب الأقصى لكنه أصيب بالجدري ثم شفاه الله منه في العام نفسه فتوجه إلى القاهرة، ووفد على بلديّه الشيخ المشهور العلامة محمد محمود التركزي الشنقيطي المعروف بابن التلاميد، فعني به وأخذه إلى مفتي الديار المصرية آنذاك الشيخ محمد عبده، فعُني به أيضًا وكتب له كتابًا إلى محافظ السويس ليركبه إلى جدة، فأدى العمرة في أواخر المحرم سنة 1319.
ثم توجه إلى المدينة ليصاب بحمى ثقيلة لمدة سنتين لكنها لم تمنعه من التردد على العلماء ودروسهم، وبقي في الحجاز بين مكة والمدينة إلى سنة 1326/ 1908، وذلك لأنه قد بلغه استيلاء الفرنسيين على بلاده فلم يشأ أن يبقى تحت العبودية، ثم سافر إلى الهند، ثم إلى عُمان فالبحرين، ثم الإحساء وقرأ هناك على شيخها عيسى بن عكاس.
وفي صفر سنة 1327/ 1909 جاءته رسالة من أحد مشايخه يطلب منه أن يتوجه إلى الزبير في العراق ليدرس في مدرسة بناها مزعل باشا السعدون فلم يجد بدًا من الذهاب، فلما وصل الزبير وجد أن مزعل باشا قد مات، وقد عين أوصياؤه رجلًا مغربيًا مدرسًا في المدرسة فهمّ بالرجوع فطلب إليه بعض الطلبة أن يعقد لهم دروسًا ففعل فأعجب به كل من سمعه حتى أنهم رجوه أن يبقى بينهم فاستجاب لهم وبقي بينهم ورأوا أن يقيدوه فزوجوه فتاة يتيمة فكانت أمَّ أولاده السبعة.
وقام في البصرة يعظ بأسلوب قوي وجريء يحارب فيه الأوهام والبدع والخرافات، وينعى على العلماء جمودهم وتقصيرهم، وعلى الدولة العثمانية تعطيلها للحدود الروادع وإقرارها للفواحش -وهذا والله أعلم لأنه كان يدير الدولة العثمانية آنذاك جمعية الاتحاد والترقي الماسونية- وكل هذا أثار عليه بعض المشايخ الذين حسدوه ورفعوا إلى مدير الناحية أمره وأنه يجب إبعاده لأنه يحرض العوام على الدولة العثمانية ويقلل من شأنها وهيبتها في النفوس؛ لكن كان المدير عاقلًا عالمًا بسبب الحملة هذه على الشيخ فذهب إلى الشيخ محمد بن عوجان إمام مسجد الباطن وكان تقيًا ورعًا فسأله عن الشيخ الشنقيطي فأثنى عليه وبين أنه لا يقصد في وعظه إلا الخير، وأنه قد حصل به خير كثير لأهالي الزبير فاقتنع مدير الناحية وكف عنه.
وبقي الشنقيطي يدعو إلى الله تعالى ويجتهد في نشر الخير إلى سنة 1331/ 1913 حيث دُعي إلى الكويت ليشارك في الجمعية الخيرية التي أنشأها مجموعة من أهل الكويت وكان الغرض منها إعداد طلاب العلم في البلاد العربية المتفوقة علميًا آنذاك مثل القاهرة ودمشق وبيروت، والإنفاق عليهم حتى يعودوا، ولها أغراض خيرية متنوعة، وقد أسهمت هذه الجمعية في تحريك المجتمع الكويتي آنذاك ودفعه إلى نهضة فكرية وعلمية وأدبية فقد دعت إلى الكويت مشايخ كثيرين كرشيد رضا وحافظ وهبة ومصطفى لطفي المنفلوطي وعبد العزيز الثعالبي التونسي وغيرهم، وظل الشيخ الشنقيطي في الكويت يعظ ويدرس إلى أن أصبحت الحرب العالمية الأولى على الأبواب، وكان الحاكم في الكويت آنذاك الشيخ مبارك الذي كان قد عقد اتفاقية مع الإنكليز سنة 1899 فخشي من الجمعية فأغلقها، وكاد الشيخ الشنقيطي أن يعتقل إثر أحداث جرت هناك حيث تخوف مبارك منه ومن مناصرته الدولة العثمانية فهرب إلى الزبير تاركًا زوجه وأولاده ست سنوات!!
(يُتْبَعُ)