فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولما وصل البصرة راح يدعو للجهاد في سبيل الله ضد الإنجليز الكفرة، ولم يكتف بهذا بل شارك في القتال بنفسه في معركة الشعيبة، وهي قرية تبعد عن البصرة عشرة أميال وعن الزبير ميلين، وقصة هذه المعركة كالتالي:
وردت برقية من البصرة لمختلف المدن العراقية جاء فيها: ثغر البصرة الكفار محيطون به، الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع"وتليت البرقية على الناس، وصار الوعاظ والخطباء يلهبون الحماس ويثيرون المشاعر الدينية وأن الإنكليز إذا احتلوا العراق فإنهم سيهدمون المساجد، ويحرقون القرآن، وينتهكون حرمات النساء، وساد العراق كله حركة جهادية جليلة خاصة عندما أفتى شيخ الإسلام في الدولة العثمانية آنذاك خيري أفندي أن الجهاد قد أصبح فرض عين على جميع المسلمين، والتحم المسلمون بالإنجليز في الشعيبة ثلاثة أيام أظهر فيها المسلمون شجاعة هائلة وحماسًا عظيمًا، وكان الهنود المسلمون جنودًا في الجيش البريطاني!! فأثرت فيهم دعوات الجهاد فكان الإنجليز ينخزونهم بالسيوف والحراب ليخرجوهم لقتال المسلمين، وانتهت المعركة بانتصار الإنجليز المتفوقين عسكريًا."
ومن ثم انتقل الشنقيطي إلى بغداد لمدة أربعة أشهر ومنها إلى حائل التي مكث فيها قليلًا يدرس ثم توجه إلى عنيزة واجتمع بالملك عبد العزيز هناك، واستضافه آل البسام مدة كتب فيها مذكراته.
ثم إن الشيخ أحمد الجابر الكويتي أراد الحج فعرّج على عنيزة واقترح على الشيخ الشنقيطي أن يرافقه إلى الحج، فوافق الشيخ وأكرم الشريف حسين مثواهما في مكة، ثم عاد إلى عنيزة وبقي فيها سنتين يدرس ويعظ، ثم لما مات مبارك الكبير عاد إلى الكويت ليرى أسرته التي تركها ست سنوات!! والتقى بأمير الكويت الشيخ سالم الذي أساء استقبالهم إلى حد غريب فطرده من البلد وأمهله ثلاثة أيام للخروج منها، وربما كان ذلك بسبب ما جرى بين مبارك الكبير والشنقيطي، والله أعلم.
وتوجه الشيخ إلى الزبير ثم لحقت به أسرته بعد ذلك، وأخذ في وعظ الناس وإرشادهم، ودعاهم إلى إنشاء المدارس فاستجاب له نفر من الزبيريين وأنشأوا جمعية النجاة سنة 1339/ 1920، ومدرسة النجاة سنة 1342/ 1923، وقد تفوقت هذه المدرسة على مثيلاتها، وصار لها أثر جليل، وبلغ عدد طلابها سنة 1366/ 1947 أربعة آلاف طالب منذ تأسيسها.
ولما تأسست المدرسة سأله أحد وجهاء العراق عن رأيه في افتتاح مدرسة للبنات فبين الشيخ أهمية هذا الأمر، لكن الحسدة لم يرضوا إلا أن يؤذوه بهذه الفتوى فهيجوا عليه العامة بدعوى أنه يريد شيوع الاختلاط بين الرجال والنساء، وفاجأه أحد العوام بعد العشاء فضربه بعصا ضربًا مبرحًا، لكن أنقذه بعض الحاضرين، وأخذ الرجل للسجن، وانتشر الخبر في العراق والكويت والخليج، ووردت البرقيات المنددة بهذا الصنيع الآثم، ولما خرج الرجل المعتدي من السجن جفاه الناس وعضّه الجوع بنابه حتى جاء باكيًا إلى الشيخ تائبًا معتذرًا فواساه الشيخ بطعام من حانوت يتعامل معه، وكان الشيخ بهذا مطبقًا لقوله تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} .
ولما صار الشيخ أحمد الجابر أميرًا للكويت -وكان صديقًا للشنقيطي- جاءته دعوة من النادي الأدبي في الكويت سنة 1343/ 1924 فلباها مسرورًا واستقبل استقبالًا حافلًا وأقيمت له حفلة تكريمية رائعة، أنسته ما لاقاه زمان مبارك وسالم من قبل، وعاش أيامًا سعيدة في الكويت.
ثم إنه عاد إلى الزبير ليشرف على المدرسة التي أسسها هو وثلة من وجهاء الزبير، وكان يعمل كل ما في وسعه من أجل إنجاح مقاصد المدرسة ورعاية طلابها وجلب التبرعات لها من المحسنين في العراق والكويت، وسار على هذه السيرة حتى صار خريجو المدرسة منتشرين في الزبير والبصرة والكويت وبغداد وغيرها وصار منهم الأطباء والمحامون، والعسكريون والمربون، والشعراء والوعاظ والمعلمون، وثبت الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى على عطائه وبذله حتى لقي الله تعالى سنة 1351/ 1932، ودفن في مقبرة الحسن البصري رحمه الله تعالى.
تلك كانت حياة هذا الشيخ الذي جمع بين أعمال كثيرة جليلة: تعليم العلم الشرعي، الدعوة إلى الله تعالى، الجهاد في سبيل الله تعالى، التوعية في زمن الجهل، الوقوف في وجه الظلمة، مقارعة الاستخراب البريطاني، وغير ذلك من أعمال جليلة تحمّل في سبيلها الغربة عن وطنه، والبعد عن أهله، وشظف العيش وشدته، وتجهم الأقارب والأباعد، والازدراء والاستخفاف، وكل ذلك في زمن الخوف والاضطراب أيام الحرب العالمية الأولى وانتشار الفوضى في كل مكان، فرضي بما هنالك، وثبت ثباتًا عجيبًا حتى أتاه اليقين، وهذا هو المرجو من ورثة سيد المرسلين وإمام المتقين، وذلك هو الطريق الذي لا مناص منه ولا محيد عنه، فرحمه الله رحمة واسعة، ورفع درجته في عليين.
ـ [جذيل] ــــــــ [14 - Mar-2010, صباحًا 01:07] ـ
رحمه الله تعالى
ذكر محقق كتاب مذكرات قاسم الرجب ان للشيخ الشنقيطي سيرة مفردة لعبداللطيف الدليشي بعنوان من اعلام الفكر الاسلامي في البصرة ..