فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [ابن الشاطيء الحقيقي] ــــــــ [25 - Aug-2008, مساء 01:56] ـ
فرانسيس فوكوياما
"عودة التاريخ"في عالم"ما بعد أميركا"
هل نحن بصدد دخول عصر الأوتوقراطيين؟ قد يكون من المغري لنا أن نفكر على هذا النحو، خصوصًا بعد أن شاهدنا الضربة الروسية العنيفة لجورجيا، التي تشكل مرحلة جديدة في السياسة الدولية، لكننا نخطئ إذا اعتقدنا أن المستقبل سينتمي لرجل روسيا القوي فلاديمير بوتين وزملائه المستبدين. وأنا مهتم بشكل خاص، بمحاولة التدقيق في ملامح اللحظة الدولية الراهنة، لأنني كنت قد كتبت مقالة عام 1989 بعنوان:"هل هذه هي نهاية التاريخ؟"، قلت فيها إن الأفكار الليبرالية قد حققت نصرًا حاسمًا في نهاية الحرب الباردة وأن ذلك يشكل نهاية التاريخ. بيد أن ما نشهده الآن، هو أن قبضة أميركا وهيمنتها على المنظومة العالمية قد بدأت تخف تدريجيًا، وأن روسيا والصين أصبحتا تقدمان نفسيهما كنموذجين، ويظهران مزيجًا من السلطوية والتحديث، مما يُشكل تحديًا واضحًا للديمقراطية الليبرالية (وعلى ما يبدو أن لديهما الكثير من المعجبين والمقلدين) . على رغم أن الجنرال برويز مشرف قد وافق أخيرًا على التنحي عن منصبه كرئيس لباكستان، فإن الحقيقة أن هذا الرجل الذي كان حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة، قد ظل يحكم بلاده بأسلوب ديكتاتوري منذ 1999. وفي زيمبابوي نرى"موجابي"وهو يرفض التنحي جانبًا على الرغم من خسارته للانتخابات. وفي أميركا اللاتينية نرى تآكلًا للحريات على أيدي الرؤساء الشعبويين، المنتخبين ديمقراطيًا مثل الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز. ترى طائفة من الكتاب من ذوي المشارب المختلفة أن وضع كل تلك الحقائق معًا، يؤشر على أننا نشهد في الوقت الراهن عودة للحرب الباردة، وعودة للتاريخ، أو على أقل تقدير، عودة لما كان سائدًا في عالم القرن التاسع عشر من صراع بين القوى الكبرى.
لا أعتقد أن ذلك سيحدث بهذه السرعة. وعلى رغم أنه من المؤكد أننا ننتقل الآن إلى ما أطلق عليه فريد زكريا العصر"ما بعد الأميركي"، وأن"البلطجية"الدوليين لا يزالون قادرين على التنمر على الآخرين، فإن الديمقراطية والرأسمالية لا زالتا حتى الآن من دون منافسين حقيقيين. والمقارنة السطحية بفترات تاريخية سابقة تكتنفها مشكلتان: الأولى، أنها تفترض مسبقًا رؤية شبه كرتونية للشؤون السياسية الدولية خلال تلك الفترات السابقة. والثانية، أنها تفترض ضمنًا"أن الحكومة السلطوية"تعني نمطًا محددًا بوضوح من الأنظمة- يتميز بالعدوانية في الخارج، وبإساءة المعاملة في الداخل- ويشكل تهديدًا حتميًا للنظام العالمي. والحقيقة أن الحكومات السلطوية الموجودة في العالم اليوم ليس لديها سوى القليل من القواسم المشتركة- عدا افتقارها للمؤسسات الديمقراطية بالطبع. كما أن عددًا قليلًا من هذه الدول هو فقط الذي يمتلك ذلك المزيج من القوة، والتماسك، والأفكار المطلوبة للهيمنة بفعالية على النظام العالمي، كما أن أيًا منها لا يفكر في إسقاط الاقتصاد العالمي.
إذا أردنا فهم العالم الذي تتشكل معالمه أمامنا الآن بالتدريج، فيجب أن نضع خطوطًا فاصلة وواضحة بين الأنواع المختلفة من الحكام الأوتوقراطيين. فهناك، مثلًا، فارق واضح بين الطغاة الذين يرأسون دولًا قوية متماسكة، وبين هؤلاء الذين يرأسون دولًا ضعيفة وفاسدة ("مشرف"كنموذج للنوع الأول و"موجابي"كنموذج للنوع الثاني) .
الطغاة الأيديولوجيون ليسوا موجودين على الساحة العالمية الآن. ورغم المكاسب التي حققها الأتوقراطيون، لا تزال الأفكار الديمقراطية الليبرالية هي الأقوى والأكثر جاذبية.
كذلك، فإننا قد نجد أن أوتوقراطيي اليوم ضعفاء إلى درجة لا تصدق فيما يتعلق بالأفكار والأيديولوجيات. فألمانيا النازية، والاتحاد السوفييتي الشيوعي، والصين"الماوية"، مثلًا كانت تشكل خطورة كبيرة، لأنها دول كانت قائمة على أفكار صلبة وتتمتع بجاذبية عالمية. لكن هذا النوع من الطغاة الأيديولوجيين لم يعد موجودًا على الساحة العالمية الآن. فعلى الرغم من المكاسب الحديثة التي حققها الأتوقراطيون، لا تزال الأفكار الديمقراطية الليبرالية هي الأقوى والأكثر جاذبية. فمعظم الحكام الأتوقراطيين مثل بوتين وشافيز لايزالوا يشعرون بأنه يتعين
(يُتْبَعُ)