فهرس الكتاب

الصفحة 10547 من 28557

عليهم التوافق مع المظاهر الديمقراطية الخارجية على الأقل على الرغم من أنهم يتحدون جوهرها.

وأوتوقراطيو اليوم، وإن كانوا يبدون استعدادًا للانحناء أمام الديمقراطية، فإنهم في الوقت نفسه يتحرقون شوقًا للانبطاح أمام الرأسمالية. من الصعب علينا تخيل أننا ندخل حقبة جديدة من الحرب الباردة، فيما نرى روسيا والصين وقد قبلتا- عن رضا- بالنصف الرأسمالي للشراكة بين الرأسمالية والديمقراطية.

من ناحية أخرى، نجد أن الحزب الشيوعي الصيني يدرك أن شرعيته تتوقف على الاستمرار في نموه الاستثنائي. أما في روسيا فإن الدافع الاقتصادي لاعتناق الرأسمالية أكثر شخصانية بكثير. فبوتين، ومعه جزء كبير من النخبة الروسية، حققوا منافع هائلة من وراء سيطرتهم على الموارد الطبيعية وغيرها من المكونات، والمقدرات.

وفي رأيي أن المنافس الحقيقي للديمقراطية في مجال الأفكار هو الإسلام الراديكالي، حيث نجد أن واحدة من أخطر الدول/الأمم اليوم هي إيران، التي يحكمها الملالي من الشيعة المتطرفين. أما الراديكالية السُنية فقد سجلت كما أشار"بيتر بيرجين"في الـ"واشنطن بوست"الأسبوع الماضي، فشلًا لافتًا في السيطرة الفعلية على الدولة/الأمة، وذلك بسبب ميلها الغريزي لالتهام مؤيديها المحتملين. وعلى الرغم من أن بعض المسلمين من الفقراء المحرومين يحسون بالنشوة عندما يسمعون انتقادات، وهجمات أسامة بن لادن والرئيس الإيراني أحمدي نجاد، إلا أن الحقيقة أن هذا النوع من الإسلاموية المنتمية للعصور الوسطى يحظى بجاذبية محدودة للغاية في الوقت الراهن.

بدلًا من الأفكار الكبرى للاتحاد السوفييتي السابق، والصين الماوية، فإن ما يدفع روسيا والصين اليوم، هو الشعور الوطني، وهو شعور يأخذ لدى كل دولة شكلًا مختلفًا تمامًا عن الدولة الأخرى. فالوطنية الروسية، تنبع أساسًا من مشاعر الكرامة المجروحة التي يسعى بوتين إلى علاجها، على الرغم من أن محاولة إحياء الشعور الوطني الروسي، كثيرًا ما تأتي على حساب الدول المجاورة التي أخشى ألا تكون جورجيا آخرها. وفي رأيي، أن من شبهوا بوتين بأنه"قيصر معاصر"هم أقرب إلى الصواب ممن شبهوه بستالين أو هتلر. فروسيا اليوم تختلف اختلافًا بينًا عما كان عليه الاتحاد السوفييتي السابق، علاوة على أن روسيا القيصرية كانت قوة كبرى ذات طموحات محدودة، وجزءًا من المنظومة الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. هذا هو الاتجاه الذي أتوقع أن روسيا بعد بوتين سوف تتطور نحوه.

أما الوطنية الصينية التي ظهرت في أبهى حللها خلال الأولمبياد فهي أكثر تعقيدًا. فالصينيون يريدون من الآخرين احترامهم لأنهم نجحوا في إخراج مئات الملايين من مواطنيهم من دائرة الفقر خلال الجيل الأخير، غير أننا لا ندري كيف سيترجم هذا الشعور بالكرامة الوطنية إلى سياسات خارجية.

إن النموذج الصيني الذي يجمع بين الحكومة الأتوقراطية واقتصادات السوق يحظى بشعبية وقبول كبيرين لدى العديد من الدول النامية، لأنه يثبت لدى بعض الحكام الوطنيين، أنه بمقدورهم ممارسة التجارة وتحقيق الأموال دون أن يبالوا بشكاوى وتحذيرات الدول الأخرى فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهناك نقطة يجب التأكيد عليها بالنسبة للصين، هي أن النظام الصيني وعلى رغم كافة جوانب قوته لا يشكل تهديدًا جديًا لأفكار الولايات المتحدة الملهمة، والخلاقة، والمنتصرة.

كل تلك الحقائق تجعل عالمنا أكثر أمانًا وأكثر خطرًا في الوقت ذاته. أكثر أمانًا لأن المصالح الذاتية للقوى الكبرى قد غدت مرتبطة ببعضها ارتباطًا وثيقًا، بشكل يضمن تحقيق الرخاء للاقتصاد العالمي، ويحد من رغبات هذه الدول في زعزعة الأوضاع. وهو أكثر خطورة لأن الأوتوقراطيين الرأسماليين يمكن أن يصبحوا أكثر ثراء، وأكثر قوة من نظرائهم الشيوعيين السابقين. وإذا لم تتمكن الرشادة الاقتصادية من التغلب على العاطفة السياسية، كما كان الحال دائمًا في الماضي، فإن منظومة الاعتماد المتبادل برمتها سوف تعني أن الجميع سيعانون.

إننا بحاجة إلى إطار مفاهيمي أكثر دقة وتفصيلًا، لفهم العالم غير الديمقراطي، إذا ما كنا نريد حقا ألا نصبح سجناء في ماض متخيل، كما أننا يجب ألا نشعر بالإحباط الزائد بشأن قوة أفكارنا حتى في"العالم ما بعد الأميركي".

أستاذ بكلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز.

آخر كتبه بعنوان:"أميركا في مفترق الطرق: الديمقراطية، السلطة، وإرث المحافظين الجدد".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة"لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت