ـ [أم فراس] ــــــــ [07 - Jun-2008, صباحًا 12:30] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قرأت مقالا لإحدى الدكتورات في قسم الفقه فأعجبني وأحببنت نقله هنا:
كتبت د. إلهام باجنيد *
أشد ما يؤذي أن تستمع إلى وعظٍ منفلت من عقال الضوابط, والتفهم, والعقل, طائفة تدعي الوعظ ولا دخل لها بالفتيا, أو الأحكام, وبقليلٍ من التأمل والعمق في عملهم يتجلى تسلل كثير من الأحكام والفتاوى من ثنايا ما يدعونه وعظًا بريئًا, وليتهم يقفون عند تلك الحدود بل يتخطونها ليضعوا أمام الناس منهجًا يسير حياتهم قسرًا.
والخطير في عملهم أنهم ليسوا مؤهلين للتصدي, أو التصدر لإطلاق أحكام, أو تقديم منهجٍ في الدين, أو الحياة لا علمًا, ولا عملًا.
لا إحاطة لديهم, أو إدراكًا لأبسط قواعد وأصول الفقه, والوعظ التي تخط التوازن الفعلي بين الشريعة, والحياة ليعكس هذا التوازن حقيقة الشريعة كما أرادها الله منهج حياة يتواءم مع متغيرات الحياة الطبيعية, يسحقون بأقدام ألفاظهم المطلقة التي لا تعرف حدودًا, ولا تعترف بضوابط أهم ما يميز الشريعة (المرونة, والسماحة) .
المرونة التي تقتضي النظر في أحوال الناس, وما يطرأ على حياتهم من متغيرات اضطرارية هي أصل في طبيعة الحياة البشرية.
والسماحة التي تعني فهمًا, بل تفهمًا للاحتياجات المتجددة درءًا للمهاجمة, أو المقاومة غير المتبصرة.
ولا أقصد بالمؤهلين المتخصصين في الفقه وأصوله, إذ منهم رغم تخصصه من لا يقل جهلًا, أو جمودًا عن تلك الفئة, إنما أردت من تشبعت روحه بإدراك المقاصد, والقواعد الكلية التي هي مبنى الأحكام.
مجتمعنا اعتاد التساهل في جانب الوعظ من قبل الطرفين: الواعظ, والمتلقي حين لا يهتم الواعظ بالغور في أعماق ما يأسر به عواطف وعقول سامعيه دون تمييز بين أمور اجتهادية ظنية هي في أصلها خيارات متعددة غير قابلة للإنكار, وليست مجالًا لأمرٍ بمعروف, أو نهي عن منكر, وبين أمور قطعية لا يصح مخالفتها ليتحول الجميع إلى قطعي لا يقبل (من جانبهم) أدنى مناقشة, أو محاولة فهم.
والأخطر إيمان العامة المطلق بصواب ما يصدر عنهم, وقبوله على علاته إيمانًا تعجز أمامه محاولات الإقناع بأن ما قدمه الواعظ في قالب الوجوب والإلزام يمكن العمل بخلافه, لاندراجه في الأمور الخلافية, لا القطعية.
فضلًا عما يحمله هذا النوع من الوعظ من أمور مغلوطة توجه فكر الناس أيضًا في قالبٍ لا يقبل النقاش, والحوار كما هي حظيرة هذه الفئة, ولعلي لا أكون متجنية, أو متجاوزة لحدود العدل, والإنصاف متى ادعيت جازمة أن جل مشاكلنا الدينية, والاجتماعية, والنفسية التي تعلق على شماعة الشريعة ظلمًا منبعها عمل هذه الفئة.
وأصرّ على قولي (الاجتماعية, والنفسية) , إذ لا يستقيم عمل الفقيه دون النظر في حياة الناس الاجتماعية, واجتهاده لتقديم أحكام لا تقف أمام الاحتياجات الاجتماعية, والنفسية في البيئة التي تطلق فيها تلك الأحكام, بل تراعيها, وتقدرها تقدير الشريعة في ذاتها لها, والناظر في أبعاد الشريعة الإسلامية نظرة صافية من عمل هذه الفئة لا يملك إلا أن يعترف بذلك لا يمكن أن أنسى ذلك الموقف عندما كنت رائدة للجنة التوعية الإسلامية في كلية الآداب, كان ذلك في الاجتماع الختامي لأعمال اللجنة, كان يضم جميع الرائدات لجميع الكليات لتقديم رؤية مفترضة لنشاط العام القادم, وكان من بين ما طرحته عناوين لبعض المحاضرات الفقهية التي تعكس اهتمام الشريعة بالنواحي الاجتماعية, والنفسية, عندها نظرت إلى رائدة كلية الاقتصاد والإدارة في دهشة لتقول لي وهي التي أمضيت معها, ومع رائدات الكليات الأخرى سنة كاملة تجمعنا الأنشطة المختلفة, قالت لي (غريب أنت من قسم الدراسات كنت أظنك من علم الاجتماع!!)
اندهشت لدهشتها, وتأكد لي رسوخ ذلك المفهوم لدى الناس, واعتقادهم أن الفقيه لا دخل له بالقضايا الاجتماعية, أو النفسية, وأقصد بـ (لا دخل له) أنه لا يراعيها, ولا يلتفت إليها بل جل همه إصدار أحكام لا تسع الناس, والحياة, وهذا ظلم للشريعة, ومن يملك فهمًا عميقًا لها ولأننا قوم عاطفيون لا تجد لدينا كبير صبر لسماع من يتكلم في الشريعة بمنطق العقل, والفكر, وعلى ذلك اعتاد الناس.
(يُتْبَعُ)