فهرس الكتاب

الصفحة 8527 من 28557

إلا أني لا أريد أن أظلم الناس بإلقاء التبعة عليهم كاملة, إذ التبعة تقع علينا نحن الدارسين لهذا العلم (أوفئة منّا) حين ندعي أننا نتمثل منهجًا يعكس روح الشريعة وغنائها, بينما كثير منّا يعكس رؤى خاصة, ويستبد بأفكار ذاتية ساقت إلى اعتياد الناس عدم قبول الأمور الشرعية للفكر, أو الحوار, أو النقاش, واعتيادهم أيضًا أن هناك فئة من الناس إذا قالوا هذا يفعل, وذاك لا, يضرب بقول غيره عرض الحائط, وقد يكون قولهم صوابًا إلا أنه ليس الصواب المطلق في الأمور الخلافية التي لا تقبل الاستبداد بخيارٍ واحد وإنكار ما عداه, فضلًا عن محاربة قائليه, إذ ان من اختار أحدها كان من العدل, والإنصاف أن يترك لغيره نفس الحق في الاختيار.

كثير منّا عمّق في أفهام العامة أن الوعظ لا يحتاج إلى فقه, إنه فقط تصفية النفس, وتزكيتها والسمو بها, وهذا مفهوم خطير, واؤكد على كلمة خطير, لأن الوعظ لا ينفك عن الفقه حتى حين الكلام عن تصفية النفس وتزكيتها للتفريق بين مراتب العدل, والفضل, ومتى انفك عنه أدى إلى التخبط, والاضطراب بالنفس, وبحياة الآخرين.

الفقه ميزان الوعظ, والفتيا, وعقالهما الذي يمنعهما من الجموح, والتضييق وتحجير ما وسعته الشريعة بما تقدمه من خيارات متعددة متمثلة في الأقوال المختلفة.

ولا تضارب, ولا تضاد, لأن الشريعة تمنح كامل الحرية في انتقاء أحد هذه الخيارات (الأقوال) , والعمل به تترافق مع هذه الحرية قاعدة جليلة متفق عليها بأن هذه الأمور (أقصد بها الخلافية) ليست مجالًا لأمرٍ, أو نهي.

كما أني لا أكون متعسفة متى زعمت بأن هذا النوع من الوعظ الذي يعد في مجتمعنا الأساس لعمل الناس الديني بصورته المنفلتة عن عقال القواعد, والأسس المنهجية الهادئة, المتروية التي يقدمها الفقه هو السبب في كل الويلات الاجتماعية التي بلينا بها من إرهابٍ, وتعادٍ, وتعدٍ.

هو عامل فعّال في الاضطراب الديني الذي يلمسه المجتمع (ولا ألومه في ذلك) , لأنه يظهر الشريعة لا كما هي حقيقتها منهج حياة يحمل في طياته المرونة, والسماحة, بل فرض متعسفٍ لرؤية غير قابلة للنقاش, تشعر أفراد المجتمع وكأنما يحيون في زمن غير زمنهم, ويلبسون ثوبًا ضاق عنهم حتى يكاد يذهب بأنفاسهم. لذا احتاج الأمر منّا (ومنّا نحن) إلى هذه الشفافية في طرح الموضوع كي ننبه على خطورته, وننبه العامة الى أننا نعرف بالحق لا العكس.

* قسم الدراسات الإسلامية - جامعة الملك عبدالعزيز

ـ [غالب بن محمد المزروع] ــــــــ [07 - Jun-2008, صباحًا 01:09] ـ

المرونة التي تقتضي النظر في أحوال الناس, وما يطرأ على حياتهم من متغيرات اضطرارية هي أصل في طبيعة الحياة البشرية.

وأصرّ على قولي (الاجتماعية, والنفسية) , إذ لا يستقيم عمل الفقيه دون النظر في حياة الناس الاجتماعية

تبارك الله ...

مقال مليء بالفوائد والعبر - سدد الله الكاتبة والناقلة -

ومن الأمثلة التي تساق لتغير الأحكام بتغير الظروف ما ثبت من تغير فقه الشافعي القديم حين كان بالعراق إلى فقهه الجديد حين انتقل إلى مصر، وتغير فقه الشافعي من القديم إلى الجديد أمر ثابت ...

وعقد الإمام ابن القيم في كتابه (أعلام الموقعين) فصلًا عن (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والنيات والعوائد) .

ثم إذا رأينا واقع كثير من الناس وانفلاتهم نتذكر قوله -صلى الله عليه وسلم- مثل ما بعثتي الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء؛ فسقى الناس وزرعوا، وأصاب طائفة منها إنما هي قيعان لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء؛ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثتي الله به من الهدى والعلم؛ فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به.

فهذا الحديث يبين أن الناس ثلاثة أقسام: قسم رزقهم الله -تعالى- الحفظ والفقه، وقسم رزقهم الله الفقه والفهم، وقسم حرموا من ذلك كله، فمن أراد الله-تعالى - به خيرا فتح الله على قلبه وفقهه، وجعل في قلبه فهما للنصوص؛ وهكذا ...

ومدار ذلك يرجع إلى قوله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ...

وقوله: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، والفقه هو: الفهم أي: يرزقه فهمًا ويرزقه ذكاءً ومعرفةً؛ بحيث إنه يستنبط الأحكام من الأدلة، وبحيث إنه يكون معه قوة إدراك وقوة فهم واستنباط من الأدلة، وهذا ما وهبه الله -تعالى- لكثير من الصحابة ومن بعدهم، دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس بقوله: اللهم فقهه في الدين، وفي رواية: وعلمه التأويل، فكان كذلك، حتى ذكروا أنه فسر مرة سورة النور تفسيرًا بليغًا لو سمعه اليهود والنصارى والترك والروم لأسلموا، وهذا مما رزقه الله ومما فتح عليه ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت