فهرس الكتاب

الصفحة 23586 من 28557

ـ [أبوالطيب الروبي] ــــــــ [12 - Mar-2010, مساء 10:44] ـ

نواصل الحديث عن موقف الإسلام من الحرية الشخصية عند الإنسان، ولنتكلم عن قضيةٍ طالما لاكتْها ألسنةُ العلمانيين، وقبلهم الغربيون، فهم يقولون: إن الإسلام يحرِّم على أتباعه كثيرًا من المُتَع واللذَّات؛ فهو - مثلًا - يمنعُهم من استماع الأغاني والموسيقا، وهما يجلبانِ للنفس سعادتَها، ويرتقيان بها إلى عالمٍ روحي بعيدٍ عن صخب حياتهم المعيشية، كما يحرِّم عليهم شربَ الخمور والكحوليات وأكْل الخنزير، ويمنعهم من التمتُّع بالنظر إلى الجنس الآخر، فيجعل من الإثم إمتاعَ العين وإراحتها بالنظر إلى وجوه الحسناوات، اللاتي يأسر حسنُهن كلَّ صاحب ذوق سليم، كما يأسره رؤيةُ المروج الخضراء على ضفاف الأنهار الجارية، فضلًا عن تحريم الإسلام للاختلاط بين الجنسين، وللقبلات بينهما، ولأي علاقة بين الرجل والمرأة ولو على سبيل الصداقة، وتحريمه للمعاشرة الجنسية إلا بين الزوجين، كما يحرِّم على النساء أن يلبسْنَ ثيابًا قصيرة أو ضيقة؛ بل يمنعهن من إظهار شيء من أجسادهن، كما يحرِّم على الرجال لبسَ الحرير والذهب ونحو ذلك.

فها هو يغلق في وجه الإنسان بابَ الحرية الشخصية، ويكبِّله بأغلالٍ من المحذورات والممنوعات في المَطعم والمشرب، والملبس والمنكح، والإبداع والاستمتاع بإبداع الآخرين، وهذا استعباد لإنسانيته، ومصادرةٌ لإرادته الحرة.

هذه هي رؤية الغربيين والعلمانيين للإسلام وشريعته، وهي رؤية ينقصها كلُّ مقومات الرؤية الصحيحة، من الشمول والوعي، والحيدة والإنصاف، فأقول:

إن الإسلام لم يَحْرِم أتباعَه من الاستمتاع بهذه المذكورات، من سماع الموسيقا والغناء، وشرب الخمور، وتعاطي المتعة الجنسية!

أجل! فكلُّ ما فعله الإسلامُ أنه أخَّر استمتاعهم بهذه الأمور إلى وقت آخر، وإلى أجلٍ قريب جدًّا، هو انتهاء هذه الدنيا، وابتداء الحياة الأخرى، حيث يطلق أيديَهم في التنعم بهذه اللذات على أجمل ما تكون وأكمله، وأيضًا فإن الله حرَّم ما ذكروه، وأباح أضعاف أضعافه من الحلال الطيب، فحرَّم من المشروبات المسكرَ فقط، وأباح ما دونه، وحرم من المطعومات الميتةَ ولحم الخنزير، وأباح ما دونه، والحاصل أن سماحة الإسلام وشموليته وواقعيته لم تغفل طبيعة الإنسان وما جُبَل عليه؛ ولذلك فالمباحات أضعاف المحرَّمات، وهذا التوازن العجيب لا يوجد إلا في دين الإسلام.

إي، قد كان يلام الإسلام على نُظمه وقواعده التي يفرضها، لو أنه ينظر إلى الحياة نظرةَ الغربيين والملحدين، الذين لا يؤمنون بالبعث والحياة الأخرى، وساعتها قد يقال: إن لكلامهم حظًّا من النظر، أمَا وإن الإسلام يَعِدُ أتباعَه بحياة أخرى، شرطُ نعيمها تطهيرُ النفس، والسمو بها عن الشهوات الفانية، فلا ضيرَ عليه في تأجيل الاستمتاع بهذه اللذات إلى هذا الوقت المضروب لهم؛ ليحصلوا عليها بعد تخليصها من النقص الملازم لها في الحياة الأرضية الزائلة.

ثم ما الغرابة في ذلك وعندنا لمثل صنيع الإسلام شواهدُ كثيرةٌ، وأنموذجات شتى؟! فقد رأى الناس بأجمعهم الرياضيين يُمنعون من بعض الأكلات؛ حفاظًا على لياقتهم، ورأينا الأطباء يَمنعون المرضى من تناول أنواعٍ من الطعام والشراب من غير نكير، ورأينا الكليات والمؤسسات العسكرية وأشباهها تأخذ منسوبيها بتقييدات شتى، مدَّعيةً أن هذا فيه صلاح أفرادها، وحفظ الدور المنوط بها، ولم يقل أحد من الناس: إن هذا وأشباهه فيه إجحاف بحقوق الإنسان، وهضم لكرامته.

ولو تنزَّلنا جدلًا مع أصحاب هذه الشبهة، وقلنا: إن الإسلام أجحف بأتباعه؛ إذ منَعَهم تلك الشهواتِ، فهذا قد يكون له وجهٌ لو أن الإسلام لم يقدِّم لأتباعه بدائلَ تعوِّضهم عن هذه اللذَّات الموجودة فيما تركوه من أمور، فيُلام الإسلام لو منع أتباعه من سماع الموسيقا دون أن يشرع لهم الصلاة، التي تسمو فيها أرواحهم، ويجدون فيها راحتَهم وأنسهم وتلذُّذهم؛ إذ يتَّصلون فيها بربهم، ويرتفعون بذلك فوق شهواتهم ومشكلاتهم؛ بل فوق عالمهم المادي كله، يستمدُّون نعيم القلب الذي لا يوجد له مثيل في أي لذة أخرى من اللذات الأرضية، مهما كانت، وأنَّى كانت، ويستمدون الثقة والطمأنينة، وأنهم ليسوا بمفردهم في هذا الكون، فتظل قلوبهم في طرب وغناء بما ليس يشبهه أي طرب وغناء،

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت