فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكم من إنسان قد جرب الأنسَ واللذة في الموسيقا والغناء، ثم منَّ الله عليه بالهداية، وأذاقه طعم الصلاة والمناجاة، فجرَّب أنس المناجاة والاتصال بربه في الصلاة وفي الدعاء، فعلِم أن لذَّاته الأولى بجانب الثانية كمثل قطرة ماء مع البحر الخضم!
إن الجنة الدنيوية القلبية التي يمنحها الإسلام لمعتنقيه الذين يلتزمون به التزامًا صحيحًا، لَتجعلُهم في غنى عن البحث عن السعادة في أي أمور أخرى سوى ما شرعه لهم من ذِكرٍ، وتسبيح، وصلاة، وحج، ودعاء، حتى يقول الواحد من هؤلاء: لئن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه، إنهم لفي عيش رغد.
وصدق هذا القائل؛ فإن المعول في السعادة على ما يكتسبه القلبُ، لا على ما تحصله الجوارح، فإذا وُجدتْ سعادةُ القلب من طريقٍ ما غير الشهوات الحسية التي ركِّب فيها النقص الملازم لها باعتراف أهل الأرض، فهي السعادة العظمى الحقيقية، وهي لا توجد في غير الإسلام.
إن الإسلام لم يترك أتباعه دون أن يشرع لهم ما يحيط قلوبَهم وأرواحهم بسياجٍ من السعادة، هُدِيَ إليه من هُدي، وحُرِم منه من حُرم، إن المسلم الحقيقي ليس في حاجة لأن يستمد سعادته من الموسيقا ونحوها، كما أنه ليس في حاجة إلى تعاطي المهدئات، فضلًا عن المسكرات والمخدرات؛ فإنه لا يعاني أزمة نفسية يريد أن يتغلب عليها بهذه الأمور؛ بل مؤهل لأن يعالِج الآخرين ويأخذ بأيديهم؛ ليصلوا إلى نعيم الروح، وجنة القلب، التي وصل هو إليهما.
لو قدِّر أن أهل الأرض جميعًا اعتنقوا الإسلام، وعرَفوه حق المعرفة، وطبَّقوه واقعًا في حياتهم، لخلَتِ الأرض من أي عيادة نفسية.
إن المسلم ليس في حاجة للذَّهاب إلى المسرح ليبقى لمدة ساعتين في ضحكٍ متواصل، من مواقف ظريفة يقوم بها الممثلون، ليخرج بعدها وقد ذهب عنه ما كان يجده من همٍّ وحزن قبل دخول المسرح، ولينسى آلامه ومشكلاته؛ بل المسلم ضاحكُ القلبِ دائمًا، متفائل، واثق، وإذا هجم على قلبه ما يجلب الهمَّ، ويُذهِب سعادتَه، هُرِعَ إلى صلاته ومناجاته، فعاد إليه ما كان عليه من بشاشةٍ وسعادة، ورضًا وطمأنينة.
وأما تقييد الإسلام لحرية الإنسان في النظر والاختلاط والخلوة واللباس، فليس يَخرج عن كونه من باب الرحمة بهذا الإنسان؛ لعلم خالقه بتكوينه الفسيولوجي، وما ركِّب فيه من إرادات وشهوات، وأي ظلم كان يمكن أن ينسب للإسلام لو رأيناه أباح لأتباعه ممارسةَ هذه الأشياء وتعاطيها، ثم حرَّم عليهم الزنا وعاقبهم على فعله؟! فإنَّ أباحة هذه الأشياء ومنعهم من الزنا، هو من تكليف ما لا يطاق؛ فإن النفس البشرية لا تقدر على هذا، ولقد أباح الغرب الاختلاط منذ قرون ولم يفد هذا حتى في منع الاغتصاب، أما الزنا، فلو وجدتَ فتاة وصلَتِ الجامعة وهي عذراء، فقد وجدتَ الكبريت الأحمر!
أيستقيم تحريم الزنا مع السماح للمرأة أن تلبس ما شاءت من ثياب قصيرة أو ضيقة أمام أعين الرجل؟! وقد ركِّب في الرجل اشتهاء جسدها، وإرادة وصالها، ألا يكون ذلك - لو وُجد - مِن تكليف الناس بما لا يطيقون، وكإلقاء الإنسان في البحر مكتوفًا مع أمره بألاَّ يبتل؟!
لو وجد في شرعٍ ما أو قانونٍ مثلُ هذا، ألا يكون هو عين التناقض؟! ومن هنا نعرف أن التشريعات البشرية التي تحرِّم الاغتصاب وتجرِّمه، مع السماح بالاختلاط المبتذل، والعري الفاحش - هي الظالمة للناس، وجريمتُها أكبر من جريمة من يقترف الاغتصاب ويمارسه.
إن العين العوراء التي يُنظَر بها إلى تشريع الإسلام هي التي تجعل القائل يظن أن هذه الأمور هي تقييد للحرية، مع أنها ليست إلا تمشيًا مع قانون الفطرة البشرية والجبلَّة الإنسانية، وهذا ما يتميَّز به الإسلام دائمًا؛ إذ هو متمشٍّ مع نواميس الكون والطبيعة، وحقائقِ الأشياء، وبديهياتِ العقل، ولا يلتفت إلى العواطف والأهواء، ورغباتِ النفوس السافلة، ولوثاتِ العقول المنحرفة.
(يُتْبَعُ)