فهرس الكتاب

الصفحة 21151 من 28557

ـ [أبو عبد الله عادل السلفي] ــــــــ [14 - Nov-2009, صباحًا 06:13] ـ

الشيخ أبو أويس مولاي رشيد الإدريسي المغربي

أوْحشني ما رأيت من كثْرة الاختلاف فيكم!""

إنَّ الاختلاف موجودٌ ما بقيت روحٌ في جسد، والطَّالبُ لضدِّه قد كلَّف بما لا يقدرُ عليه أحد، ذلك"لأنه لا بد أن تقع الذنوب من هذه الأمة، ولا بد أن يختلفوا، فإن هذا من لوازم الطبع البشري، لا يمكن أن يكون بنو آدم إلا كذلك"1.

لكن لا يعني هذا بحال أن نكون ممن يتعبد بالخلاف والجدال، فإنه مرير حتى قيل على وجه التحذير 2:"إن من الناس من يولع بالخلاف أبدا، حتى إنه يرى أن أفضل الأمور ألا يوافق أحدا، ولا يجامعه على رأي، ولا يواتيه على محبة، ومن كان هذا عادته فإنه لا يبصر الحق، ولا ينصره، ولا يعتقده دينا ومذهبا، إنما يتعصب لرأيه، وينتقم لنفسه، ويسعى في مرضاته .."3.

فليس - إذن - القصد من قولُنا بضرورة وجود الاختلاف تَسْويغ وجوده على أيِّ صورةٍ كانت فإن"الخلاف شر"4.

قال ابن قُتيْبة - رحمه الله:"قال المأمون لمرتدٍّ إلى النَّصرانية: خبِّرنا عن الشيء الذي أوْحشك من ديننا بعد أُنْسك به، واسْتيحاشك ممَّا كُنت عليه، فإنْ وجدتَّ عندنا دواء دائِك تعالجْت به، وإن أخْطأ بك الشِّفاءُ ونبا عن دائِك الدَّواءُ كُنْتَ قد أعْذرْتَ، ولم ترْجع على نفسك بلائمة، وإن قتلْناك قتلْناك بحكم الشَّريعة، وترجع أنت في نفسك إلى الاسْتبصار والثِّقة، وتعلم أنَّك لم تقصِّر في اجتهاد، ولم تفرِّط في الدُّخول من باب الحزم."

قال المرتد: أوْحشني ما رأيت من كثْرة الاختلاف فيكم!"5."

هذا مع العلم أن أكثر الاختلاف الواقع بين الناس هو من البغي"بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات والقرآن، ... وكما قد يبغي بعض المستنة 6إما على بعضهم، وإما على نوع من المبتدعة، بزيادة على ما أمر الله به .."7.

وعليه كان من سبل ضبط هذا الاختلاف الواقع ولا بد، الإيضاح والرد؛ إذ به تتبين الحقائق لكل سائل، وتُدْفع شُبه كل مجادِل، ولولاه لما اصطلح مُتخالفان، ولبقي الحقُّ عليه شيءٌ من ران؛ فمن طرق جادَّته وامتطى دابَّته، لا يخلو من ثلاثة أحوال:

الحالة الأولى: إمَّا أن يكون على حقٍّ، فلا يزداد بذلك إلاَّ ثباتًا على حقِّه، واتِّباعًا له لظهور صدقه.

والحالة الثانية: أن يكون على خطأٍ، فبالبيان يتيقَّن خطأَه، وينتقل عن غلطه.

والحالة الثالثة: أن يكون على ارتياب، فلا يقدم من الدين على الشَّك.

وإلى مجموع هذه الأحوال يشير المُزني - رحمه الله - على وجه التنبيه فيما هو من جنس ما نتكلم فيه حيث قال:"لا تعدو المُناظرة إحدى ثلاث: إمَّا تثبيت لما في يديه، أو انتقال من خطأٍ كان عليه، أو ارتيابٍ فلا يقدم من الدِّين على شك"8.

ولما كان غياب الميزان واهتزاز المعيار، - ولو كان صاحبه على شيء من العلم والعرفان -، يقود إلى البغي والتطفيف، ويوقع في الإعتساف والبعد عن الإنصاف تعين على المتكلم في الاختلافات: العلم بأصول المسائل المتنازع فيها والكليات، ثم التصور التام للوقائع والجزئيات ذلك أنه"من حق البحث والنظر الإضراب عن الكلام في فروع لم تحكم أصولها، والتماس ثمرة لم تغرس شجرتها، وطلب نتيجة لم تعرف مقدماتها"9.

قال الناظم:

فالأصل ما عليه غيره بنيوالفرع ما على سواه ينبني

قال شيخ الإسلام رحمه الله:"لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وظلم في الكليات، قيتولد فساد عظيم"10.

إذن فلا بد من أمرين اثنين لتقرير مسائل النزاع وتحريرها:

أولهما: العلم بالكليات.

ثانيهما: معرفة كيفية وقوع الجزئيات.

فإن منشأ الغلط عند كثير من الناس: إما من جهة عدم العلم بكليات المسائل، وإما من جهة عدم تصور مورد النزاع تصورا تاما، فيتكلم البعض في أمور لا علم لهم بأصولها، أولا معرفة لديهم بكيفية وقوعها، وهذا فساد مركب يخرج الإنسان عن حد الاستقامة والاعتدال.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت