فهرس الكتاب

الصفحة 21152 من 28557

أما عن أهمية ضبط الضوابط والكليات فإنه من الأولويات وعليه كان"شرعنا مضبوط الأصول، محروس القواعد، لا خلل فيه ولا دخل"11، و"إنما الآفة تدخل من المبتدعين في الدين أو الجهال"12 فيظهر الغلط والزلل.

ومن ثم كان من المهمات عند الاختلاف تمهيد الأصول والكليات لتحرير الحق، واستدراج المخالف إلى الإذعان والتسليم له حتى يتوصل إلى النتائج المطلوبة، وهذا ما يدخل عند أهل الشأن فيما يسمى ب"استسلاف المقدمات"كما"هي طريقة المتقدمين من نظار المسلمين .. يكون المستدل هو السائل 13 لا المعترض، فيستسلف المقدمات .."14، وهي طريقة أرشد إليها كتاب رب البريات 15.

وقد أحسن من قال:"كل كمال في الفرع المتعلم هو من الأصل المعلم"16.

مع التنبه إلى أن النتيجة قد تكون صحيحة أحيانا مع ضعف المقدمات، فيستروح الناس بذلك فيهملون تقرير الكليات، لأن النفوس بطبيعتها تتشوق للنتائج .. ، فكن على حذر مما يعم بسبب ذلك من البليات!!.

قال شيخ الإسلام رحمه الله:"قد تكون المقدمات فيها ضعف، لكن لكون النتيجة صحيحة يتساهل الناس في تسليم مقدماتها .."17.

أما في خصوص تصور وقوع الجزئيات فهو بدوره من الضروريات لأن"كثيرا من نزاع العقلاء لكونهم لا يتصورون مورد النزاع تصورا بينا"18، وكلام علمائنا عن أهمية تحقيق المناط معلوم، بل هو"متفق عليه بين المسلمين، وهو أن ينص الله على تعليق الحكم بمعنى عام كلي، فينظر ثبوته في آحاد الصور، أو أنواع ذلك العلم"19.

فكن منتبها إلى هذا الباب فإنه من سمات الجهال أنه"ليس في كلام أحدهم تصوير للصواب، ولا تحرير للجواب"20.

ومما يعين عل اجتناب دربهم ما جادت به قريحة بعض المتقدمين حيث قال:"صور ما شئت في قلبك، وتفكر فيه، ثم قسه إلى ضده، فإنك إذا ميزت بينهما، عرفت الحق من الباطل"21.

وعليه فصفوة الكلام وجماعه: أن الشأن كل الشأن في الأصول الأثرية، والتصورات النقية، بحيث عند تحققهما لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع على وجه العرض كان اختلافا اجتهاديا تسع له الصدور دون علة ولا مرض.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:"ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية ولكن إذا كان الأصل واحدا والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف وإن وقع كان اختلافا لا يضر"22.

1.الفتاوي 14/ 150.

2.بل قيل على وجه التنفير:"إذا رأيت إنسانا جبل على الخلاف، إن قلت: لا. قال: نعم. وإن قلت: نعم. قال: لا. فألحقه بعالم الحمير، فإن دأب الحمار إن أدنيته بعد، وإن أبعدته قرب .."قاله أبو بكر الطرطوشي رحمه الله كما في سراج الملوك 259.

3.قاله الخطابي رحمه الله في العزلة 166.

4.قاله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه انظر: صحيح سنن أبي داوود 6/ 204.

5.عيون الأخبار 2/ 154.

6.و"أهل السنة يثبتون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يثبتون إلا ما لهم"كما قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله انظر: التحقيق لمرعي الكرمي 147.

7.قاله شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوي 14/ 487.

8.جامع بيان العلم وفضله 2/ 108.

9.قاله أبو القاسم عبيد الله رحمه الله انظر: جامع بيان العلم 1/ 785.

10.منهاج السنة 5/ 83.

11.صيد الخاطر 36.

12.نفسه.

13.ومن ذلك مما يناسب المقام أن يطرح السؤال على المخالف أو المعترض في خصوص إعتقاده في صحة أصل من الأصول التي يرجع إليها الفرع المتنازع فيه، فتأمل.

14.قاله شيخ الإسلام رحمه الله في الرد على المنطقيين 331.

15.كما بينه شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوي 19/ 164.

16.قاله شيخ الإسلام رحمه الله في الجواب الصحيح 3/ 85.

17.درء التعارض 1/ 391.

18.الفتاوي 12/ 57.

19.منهاج السنة 2/ 474.

20.الرد على البكري 1/ 171.

21.نقله الحافظ ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم 1/ 285.

22.الصواعق المرسلة 2/ 519.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت