فهرس الكتاب

الصفحة 19644 من 28557

ـ [د. مصطفى] ــــــــ [20 - Aug-2009, مساء 11:25] ـ

أحداث غزة إفراط في السياسة والخيال والقوة والحزبية

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمنذ أشهر قليلة تعرضت"غزة"لمأساة الغزو الإسرائيلي الغاشم إلا أن صمود أبنائها وتضحياتهم حولتها إلى رمز للعزة، ومنبع للفخر، ولكنهم أبوا إلا أن يحرمونا من ذلك الفخر؛ حينما انفجرت أحداث"مسجد ابن تيمية"؛ لتكون مأساة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ حيث كان الصراع في هذه المرة إسلاميًا - إسلاميًا.

لقد ظن البعض أن"حركة حماس"بمجرد تشكيلها للحكومة في"غزة والضفة"-قبل الانفصال- سوف تطبق الشريعة الإسلامية؛ فلما لم تفعل حكم عليها بأنها عالمانية تتستر باسم الدين.

ومن المعلوم عن"حركة حماس"شأنها في ذلك شأن كل فصائل الإخوان في العالم الإسلامي، وشأن معظم الاتجاهات الإسلامية التي تقبل بالحل البرلماني لم تعلن أنها ستطبق الشريعة فور توليها الحكم، ولكن هذه الاتجاهات تتبنى حال وصولها للسلطة حل بطيئًا بزيادة الدعوة إلى الخير، وترغيب الناس في تطبيق الإسلام، وتنقية القوانين تدريجيًا مع إرجاء أو استبعاد صدور قوانين تلزم آحاد الناس بأداء الطاعات، أو اجتناب المنكرات؛ كتبرج النساء مثلًا.

وهذا التوجه يواجه نقدًا عنيفًا من قِبَل السلفيين فضلًا عن الاتجاهات الأخرى: كالتيار المسمى بـ"السلفية الجهادية"فضلًا عن الاتجاهات التكفيرية على اختلاف درجاتها.

وبالنسبة للسلفيين: فإنهم يعترضون على أن يتولى الإسلاميون بأنفسهم تنفيذ قوانين، بل وأحيانًا سن قوانين مخالفة للشريعة بدعوى"الضغوط الخارجية".

فإذا كان الإسلاميون إذا حكموا أجبروا على أن يحكموا بالقوانين الوضعية، فالواجب عليهم أن يعتزلوا ذلك المنكر، ولا تصح المصالح الجزئية التي تحصل من ذلك ذريعة لكي يتولى الإسلاميون تطبيق المناهج العالمانية؛ لا سيما مع ما في ذلك من فتنة للناس في دينهم، وإكساب هذه المبادئ الاحترام لدى العامة.

وتُظهر الإسلاميين وكأنهم لا يختلفون عن العالمانيين إلا في النكهة وطهارة اليد، والتي ربما تحلى بها بعض العالمانيين، بل إن الأمر يزداد خطورة حينما يضطر الإسلاميون بالإضافة إلى ذلك إلى التصريح بأنهم مخلصون للديمقراطية! وبجميع إفرازاتها! ولن ينقلبوا عليها مهما أتت به من منكرات!

وفى حالة"حماس"استندت في قضية من أهم ثوابتها: وهي عدم الاعتراف بشرعية الاستيلاء اليهودي على أراضي 48 رضيت فيه من حيث المبدأ إلى الاحتكام إلى الأغلبية.

اختارت"حماس"أن تستمر في إخلاصها للقانون الفلسطيني مما يعني أن"حماس"سارت على نفس درب التجربة التركية؛ والتي يغيب فيها حلم تطبيق الشريعة في العقل الباطن للقادة دون أن يسمحوا لأنفسهم حتى بالفضفضة عنه، وهم مع ذلك يمنون أنفسهم بالتدرج البطيء في إدراج بعض الإصلاحات التشريعية من خلال المظلة البرلمانية.

ولا ندري ما هي الدعوة التي يمكن لهؤلاء أن ينقلوها إلى الأجيال القادمة من أبنائهم وأتباعهم، وقد صار مجرد التصريح بأن الشرع يلزم الحاكم والمحكوم معًا بشريعته خروجًا على الخط الديمقراطي؟!

ومع وجود هذه الاعتراضات إلا أن تصاعد الخلاف بين حركتي"فتح"و"حماس"، ومحاولة"فتح"إقصاء"حماس"من السلطة من أجل تمرير اتفاقات سلام جديدة أكثر تنازلًا مع اليهود جعل جميع الإسلاميين يلتفون حول"حماس"، ويقبلون بقيادتها للمشهد الإسلامي في"فلسطين"لا سيما في"غزة".

ثم لما انفصلت"حماس"بـ"قطاع غزة"ظن الجميع أن"حماس"بعد تخلصها من عبأ الدستور الفلسطيني، ومن عبأ التداخل مع مؤسسة الرئاسة الفلسطينية التي يسيطر عليها"رئيس فتح"، أنها ستخطو خطوات أوسع في تطبيق الشريعة، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، وظلت"حماس"على إخلاصها للديمقراطية.

وهذا إفراط بالغ من"حماس"بالتمسك بثوابت الخط السياسي على حساب الثوابت الشرعية، حتى وهي منفردة تمامًا بالسلطة في"غزة".

وكأن الأعداء حينما سارعوا بادعاء أن"غزة"قد تحولت إلى"إمارة إسلامية"قد وجهوا تحذيرًا لـ"حماس"من تحويلها بالفعل إلى إمارة إسلامية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت