فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وتلقت حماس التهديد ووضعته نصب عينها رغم أن الأعداء شنوا عليها حربًا نتيجة عدم استجابتها لرسالة أخرى أكثر صراحة تطالبها بالاعتراف بـ"إسرائيل"، وكان يمكن للثمن الذي دفع لرفض الاعتراف بـ"إسرائيل"أن يكون هو أيضًا ثمن الإعلان للتطبيق الشامل للشرع، ولكن هذا لم يحدث للأسف الشديد، وكان هذا هو الإفراط الأول في المشهد الفلسطيني.
وكان الواجب على الدعاة السلفيين في"غزة"أن يستمروا في منهجهم الدعوي والتربوي، وأن يحيوا في الأمة معاني الولاء والبراء، ولزوم تحكيم شرع الله مع نصيحة إخوانهم في"حماس"، مستصحبين مسألة العذر بالتأويل، ومراعين المصالح والمفاسد التي يراعيها السلفيون مع الأنظمة التي تتبنى العالمانية شكلًا وموضوعًا، فمراعاتها مع الاتجاهات الإسلامية المتأولة من باب أولى.
إلا أن المشهد الفلسطيني لم يغب عنه إفراط من نوع آخر من قبل الشيخ"عبد اللطيف موسى"-رحمه الله- والذي كان محسوبًا على الاتجاه السلفي ثم صار محسوبًا على ما يعرف بالاتجاه السلفي الجهادي كما أفادت بذلك التقارير التي تحدثت عن الواقعة.
لقد أثارت حفيظة ذلك الداعية أن يوجد تيار إسلامي في سدة الحكم ومع ذلك لا يطبق أحكام الإسلام في القضاء، وفي غيره. فمتى يطبق الإسلام إذن؟!
ويبدو أن الشيخ المذكور قد دخل في حالة من التفكير والحزن تبعها أنه رأى رؤيا وهو أمر معتاد في مثل هذه الحالات تأولها -رحمه الله- بأنه سوف يطيح بضلالات"حماس".
ورغم أنه من الثوابت السلفية أن الرؤى لا تعتبر مصدرًا للتشريع كما أنها لا تعتبر مغنية لصاحبها عن الأخذ بالأسباب الشرعية والكونية في كل ما يقدم عليه، إلا أن حال البعض قد تصيبه حالة من الوقوع تحت سيطرة فكرة ما تغلق عليه تدبره.
وهنا يأتي دور الأتباع؛ إن الحركة الإسلامية بجميع طوائفها ينبغي أن تربي أتباعها على التأني في دراسة القرارات، والتعقل في النظر في الأمور، وعلى الشورى لا سيما في القرارات المصيرية حتى لا تقدم على عمل قد يكون نابعًا من حالة شخصية خاصة جدًا لشخص مهما بلغ من العلم والفضل.
بنى الشيخ على هذه الرؤيا؛ واتخذ قراره بإعلان"إمارة غزة الإسلامية"في"رفح"، وتحديدًا في مسجد"ابن تيمية"، ودعا المقاتلين من خارج"الإمارة"بأن يأتوا ليأخذوا التوجيهات العسكرية من المسجد.
وهو تصرف بعيد كل البعد عن الفقه لا سيما والمنكرات التي يريد إنكارها، والحدود التي يريد تطبيقها غالبًا إن لم يكن دائمًا ما ستكون خارج حدود المسجد الذي هو إمارته فضلًا عن الطعام والشراب وكل شيء.
وإذا كان البعض يعتبر تصرف"حماس"في الاستقلال بحكم"غزة"أشبه بذلك إلا أنه يبقى أنهم استطاعوا ولو بسلاح"الضعف"فرض الأمر الواقع على الأطراف الأقوى.
غالب الظن أنه حاول استنساخ التجربة مستخدمًا سلاح"الضعف"الذي استخدمته"حماس"إلا أنه فاته أن محاولة الاقتحام الإسرائيلية لـ"غزة"كان هناك موانع دونها بينما لم توجد لدى"حماس"موانع من هذا الاجتياح فالأخوة الإيمانية لم تشفع لهم عند"حماس"؛ لأنهم رأوا أن"جند الله"هم الذين بدأوا بتكفيرهم، ونسوا سلوك الصحابة -رضي الله عنهم- مع الخوارج الحقيقيين الذين خرجوا على أعدل الناس؛ لقد صبر"عثمان"-رضي الله عنه- على القتل ببشرى بشره بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ) (متفق عليه) ، رغم أن الخوارج عليه كانوا من حثالة الناس، وما أنكروه عليه لم يخرج عن كونه إما أشياء غير منكرة، وإما أكاذيب.
ولم يشأ"عثمان"-رضي الله عنه- أن يدافع عنه من في المدينة من الصحابة -رضي الله عنهم- لعدم تكافؤ القوى، وأرسل في طلب مدد بحيث يمكنه السيطرة على الموقف بدون إراقة دماء، وإلا فيكفي دمه هو، وقد كان، وتأخر المدد حتى لقي ربه شهيدًا -رضي الله عنه وأرضاه-.
و"علي"-رضي الله عنه- لم يقاتل الخوارج حتى كانوا هم البادئين، وأما قتاله مع"معاوية"-رضي الله عنه- فكان فيه التشاور والمناظرة، ومحاولة إصلاح ذات البين، ثم لما حدث القتال لم يكن فيه إتباع المدبر، ولا الإجهاز على جريح.
وإذا لم تشفع لهؤلاء الإخوة أخوتهم الإيمانية فهلا شفع لهم"القانون"الذي تتمسك به"حماس"والذي هو سبب الخلاف بين الفريقين؟؟!!
(يُتْبَعُ)