فهرس الكتاب

الصفحة 25519 من 28557

ـ [عصام البشير] ــــــــ [08 - Jun-2010, مساء 11:13] ـ

هذه قضيتنا ..

(عن هجوم جيش اليهود على قافلة الحرية)

بسم الله الرحمن الرحيم

خرج العشرات من شجعان المسلمين، ومعهم كثير من محبي الحرية، وأعداء الظلم، في رحلة بحرية، منطلقة من تركيا، وغايتها أن توصل إلى الشعب الفلسطيني المجاهد على أرض غزة، من المؤن الغذائية والطبية، ما يرفع عنه - ولو إلى حين - شيئا من لذع الجوع، ومرارة الفاقة، وهوان العزلة.

وكان أن تصدت لهذه القافلة البحرية المسالمة، شراذم من عساكر العدو الصهيوني الأثيم، فاستطالوا عليهم كما تستطيل جماعة الذئاب على الفريسة المنعزلة عن أهلها، فتتناولها بأنيابها ومخالبها، وهي آمنة من الرقيب أو العدو الأمنَ كله، مطمئنة إلى مودة الصديق الذي لا يسأل في النائبات برهانا، الطمأنينةَ كلها!

فكان أن ارتفع من أهل القافلة أقوامٌ، فعدوا من القتلى .. وأقوام آخرون احتسبوا من الجرحى. نسأل الله تعالى أن يتقبل القتلى عنده من الشهداء، وأن يعجل بشفاء الجرحى، ويردهم إلى أهلهم، على أفضل ما يحبون.

ولم يكن في كل ما وقع جديدٌ في أمور الوقائع السياسية، ولا مبتدَع من أحوال هذا الصراع الأبدي بين الحق والباطل، ولا مستحدث في خصوص هذا الصراع بين المسلمين واليهود، مذ أشرقت على الناس شمس الإسلام.

أما في وقائع السياسة، فلأنها تاريخ مستمر من الصراع بين الإرادات المتفاوتة في ما يعضدها من قوة مادية. ثم إن الغلبة تكون دائما للإرادة التي تستطيع أن تنتقل من ضيق الكلمة، إلى فسحة العمل؛ ومن ضوضاء الشعارات البراقة، إلى سكون الفعل الهادف. وهذا الذي فعله اليهود في هذا الزمن الذي نتلظى بأواره .. وهذا الذي أغفلنا أن نطبقه - جهلا من بعضنا وتعمدا من الآخرين - وجرينا لاهثين وراء الكلام المجرد، وأحلام العدالة الدولية، وسراب القانون الإنساني المنصف.

والحق الذي لا مرية فيه، أن العدل لا تقوم أركانه، وأن الحقوق لا ترد إلى أصحابها، إلا بمجالدة ومدافعة، وأن ما سوى ذلك حِلم مصطنع:

ولا خير في حلم إذا لم يكن له = بوادر تحمي صفوه أن يتكدرا

وأما في الصراع بين الحق والباطل، فلأن الباطل لا يمكن أن يرضى بعتبة يقف عندها ولا يتجاوزها، وإنما هو كالدود الذي ينخر الجثة الهامدة، لا يتوقف إلا عندما يحيلها عدما، أو كالعدم.

وإذا استكان الحق، وترك مناجزة الباطل، وأهمل أن يطلبه في مواطنه ليقارعه وينتصف منه، لم يلبث أن يجد نفسه في موقف المدافع، الذي يستطيل عليه الباطل، ويذيقه صنوف الهوان.

كان المدافعون - من أهل الإسلام ومن التحق بصفهم - لا يرضون باليهود دولةً ولا كيانا، ويناوئون هؤلاء الدخلاء عسكريا وسياسيا وإعلاميا، وعلى كل ميدان، يصح فيه رفع راية المجاهدة والمغالبة.

ثم فاوضوا - أو قل: فاوض بعضهم، وأنكر بعضهم، وسكت الأكثرون - فتحولت القضية في بعض مظاهرها إلى قضية إنسانية محضة: كسر الحصار عن غزة، ومعالجة المرضى، وإنقاذ الشيوخ والأطفال.

ثم ما رضي العدو حتى جعل المسلمين - وهم في قضيتهم الإنسانية الصغيرة هذه - لا يصلون أيضا إلى ما يودون من الانتصار. بل هو يراوحون مكانهم، يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى، مع أن المطلب - بقياس الدين والسياسة معا - صغير جدا، لا يصلح أن يكون هدفا مرحليا، فضلا عن غاية عظمى.

وأما في خصوص الصراع بين المسلمين واليهود، فلأن اليهود جبلوا على الجبن، طبعا فيهم مستحكما، لا يرفعه عنهم دولة قائمة، ولا سلاح ذري، ولا دعم معنوي تغدقه عليهم دول النصرانية المتجبرة. بهذا الجبن عُرفوا مذ كانوا، فحكاه عنهم القرآن في غير موضع، ومن أصدق من الله قيلا!

ومن طبع الجبان أن ينازل الضعفاء، ويتجبر عليهم، ليرضي نفسه المهزوزة، ويثبت قلبه المرتعش، بانتصار - ولو أن يكون وهميا.

لم يحدث جديد إذن ..

العدو الصهيوني يتجبر ..

وقادة العالم بين متعاطف يستخفي بتعاطفه، ومستنكر يستعلن بإنكاره ..

وحكام المسلمين يستنكرون في كلام هو بالصمت أشبه ..

وشعوب الأمة تتحرق من شدة الغيظ، وتتلوى من تباريح الشوق إلى ميادين العمل المثمر، ثم لا تجد من العمل الممكن غير الكلام، الذي يبدأ صراخا، ثم يتحول - بسبب من اليأس أو السلوّ أو منهما معا - إلى حشرجة خافتة.

لا جديد؟

بلى!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت