ـ [ابن الشاطيء الحقيقي] ــــــــ [09 - Aug-2008, صباحًا 10:31] ـ
رفعة منزلة علماء الشريعة
د. سعد بن ناصر أبو حبيب الشثري
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد: فقد أفزعتني عدد من اللهجات التطاولية في عدد من الكتابات الصحفية التي تنبثق من خلط الأوراق واستعمال المصطلحات المعهودة في غير محلها ووضع أحكام جازمة بناء على تصور غير صحيح ولا مطابق للواقع ولا للحقائق مما يظن المرء معه أنها صدرت من سوء فهم لا سوء قصد،
ومن تلك الكتابات ما نُشر في جريدة الجزيرة بعددها الصادر في أول شعبان من عام تسع وعشرين وألف بعنوان {وماذا بعد أفول السلطة الدينية؟} ، فإني لما قرأت هذا المقال أشفقت على قارئه واستغفرت لكاتبه لما فيه من تخبطات عديدة واتهامات للآخرين شنيعة بدون شهود ولا بينات. فإن الكاتب - وفقه الله - لخيري الدنيا والآخرة أجاد في وصفه لبعض الكتاب بأنهم قد تجاوزوا الحدود المعقولة في نقد الفكر الديني {حسب تعبيره} ، وفي انتقاده للمواقف الإقصائية ضد الفكر الديني، كما أجاد في انتقاد بعض الكتاب الذين يرون أن لا فرق بين علماء الشريعة وبين الإرهابيين والجهاديين، ومع ذلك فقد وجد لدى الكاتب العديد من الهفوات. ورغبة في تجلية ذلك فإني أبين عددًا من المصطلحات التي غمض فهمها على كاتب المقال على جهة التمثيل لا على جهة الاستقصاء.
أولها: مصطلح السلطة الدينية حيث أراد الكاتب به علماء الشريعة، وهذا فهم خاطئ؛ لأن هذا المصطلح يطلق بمعنيين:
أولهما: سلطة التشريع، وهذه لله - عز وجل - وحده، ولا يجوز لأحد أن ينازع رب العزة والجلال في ذلك كما قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} ، وقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} ، وقال سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ، ومن هنا نعرف خطأ الكاتب في قوله: {كرسي المشرع الفكري} .
والمعنى الثاني: سلطة حماية الدين والذود عن حياضه، وهذه السلطة بأيدي ولاة الأمر، قال الماوردي في المهام المناطة بالإمام: {والذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء أحدها حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروسًا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل} {الأحكام السلطانية 1 - 16} وانظر {كشاف القناع 6 - 160} ، وشاهد هذا في كتاب الله قوله سبحانه: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} ، وشاهده من السنة قول النبي - صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع ومسؤول عن رعيته} وقوله: {الإمام جُنَّة يُتقى به ويقاتل من خلفه} .
وعلى هذا المنطلق سارت الدولة السعودية الموفقة من أول أيامها من عهد الإمام محمد بن سعود عندما بايعه الشيخ محمد بن عبدالوهاب والمسلمون من ورائهم، على نصرته في حماية العقيدة ونشر الإسلام ونبذ الخرافات. وكان أول بيان سياسي من الإمام الصالح والقائد الهمام الملك عبدالعزيز - رحمه الله - هو قوله: {الملك لله ثم لعبدالعزيز} ؛ ولذلك أيده كل ذي دين في إقامة هذه الدولة التي ننعم بخيراتها، وعلى خطى ذلك الإمام الموفق سار خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حيث احتوى أول بيان له التأكيد على التزامه بالإسلام وجعل دستوره القرآن؛ مما أبهج النفوس المؤمنة في مشارق الأرض ومغاربها، وجعل ألسنتهم تلهج له بالدعاء والثناء، واستمر نهجه - وفقه الله - على ذلك؛ فقد كرر هذا المعنى مرارًا، ومن ذلك كلمته الموفقة - أيده الله - في افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة الرابعة لمجلس الشورى؛ حيث قال: {لقد أعز الله تعالى هذه الدولة؛ لأنها أعزت دين الله، وسارت على نهج ثابت يتوارثه خلف عن سلف، وسوف تبقى عزيزة لا يضرها من عاداها ما دامت ترفع راية التوحيد وتحكم شرع الله} .
(يُتْبَعُ)