ـ [الهاجرية] ــــــــ [29 - Jan-2009, صباحًا 03:01] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
غزة والسخاء
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
ابتُلينا بزمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أخلاق ذي المروءة» [1] .
هذه المقالة التي سطَّرها أبو بكر الواسطي (ت 321هـ) تحكي واقع العرب تجاه أحداث غزة؛ فأخلاق الإسلام قد اندرست، وعفتْ آثارها، ومروءات العرب قد تصرَّمت إلا من الأشعار.
لقد كان عرب هذا الزمان - قبل عقود - «ظاهرة صوتية» ، تسمع جعجعة ولا ترى طحنًا، ثم انحدروا إلى الصمت المريب والسكوت المطبق، وسوء الختام - في هذه الأيام: التواطؤ المكشوف مع العدو المحتل، والتعاون على العدوان على أهل غزة، «والاستمتاع» بين الفريقين: اليهود وأشباههم من المنافقين.
وكان مشركو العرب - رغم شركهم - أرباب مروءات، فهم أصحاب «حِلْف الفضول» ومنهم من نقض صحيفة حصار المسلمين في شِعْب أبي طالب .. ، وفيهم أَنَفَة وإباء الضيم، وأما عرب اليوم فهم على النقيض من ذلك:
أرانب غير أنهُمُ «رؤوسٌ» مفتحة عيونهُمُ نِيامُ
بأجسام يحرُّ القتل فيها وما أسيافُها إلا الطعامُ
ومع حمأة هذه الفواجع والمصائب، وتتابع الشدائد والبليَّات؛ إلا أن بعضهم يتلفَّع بالصمت، ويؤثر التقاعس، ويتدثَّر بالعقل والتأنِّي، والتظاهر بالرزانة والثقل، ويحيد عن الحلول العملية الواضحة والعاجلة تجاه هذه النازلة الفادحة ... قال الله - عز وجل: {بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 41 - 51] .
وأحسن حالًا من أولئك مَنْ سلك موقفًا تجاه نصرة قضية غزة - وأشباهها - فاجتهدوا في الدعاء والقنوت لهم، لكنهم اقتصروا على ذلك، وتركوا أسبابًا عظيمة للنصرة؛ كالإمداد والدعم بالمال، والعتاد، وتبنِّي قضية فلسطين - عمومًا - والاحتفاء والانشغال بها.
ومن المعلوم بداهة أن في الدعاء فضلًا ونفعًا وأثرًا، لكن من الحَيْدة وإيثار السلامة أن نتغافل عمَّا في مقدورنا مما يحتاجه إخواننا من المناصرة بالمال وتجهيز الغزاة وإيصال الغذاء والدواء إلى عقر دارهم، ونحو ذلك من المواقف والواجبات التي لها آثارها وتبعاتها، وإن أقلقتْ عربًا، أو أسخطتْ غربًا.
يقول الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله: «لكن نفرًا من الناكصين على أعقابهم في الميادين الراكضة أبوا إلا أن يَدَعوا هذا المجال [المدافعة] .. ووجد (الأذكياء) عوضًا عن الحقيقة التي يجب أن يواجهوها؛ فإذا جهاد النفس يحلُّ محلَّ جهاد العدو، ودروس التصوف العالي تسدُّ مسدَّ الهجوم على الخونة والمغيرين» . إلى أن قال: «إذا كنتَ مدينًا وجاءك الغريم يتقاضاك حقه، فما معنى أن تلويه عن غرضه بمحاضرة مسهبة في الزهد والتجرد؟» [2] .
وها هو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لما قدم عليه قوم من قبيلة مضر، وكانوا حفاةً عراةً .. فتمعَّر وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لِمَا رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا - رضي الله عنه - فأذَّن وأقام فصلَّى، ثم خطب فقال: « {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ .. } [النساء: 1] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 81] تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره» ، حتى قال: «ولو بشقِّ تمرة» قال جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - [راوي الحديث] : فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، قال:
ثم تتابع الناس حتى رأيتُ كومين من طعام وثياب، حتى رأيتُ وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتهلَّل كأنه مُذْهبة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من سنَّ سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده .. الحديث» [3] .
قال النووي: «وأما سبب سروره - صلى الله عليه وسلم - ففرحًا بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض ... » [4] .
(يُتْبَعُ)