فهرس الكتاب

الصفحة 4595 من 28557

ـ [عبدالرحمن الجفن] ــــــــ [30 - Nov-2007, مساء 07:45] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

هناك مصادفة فكرية , ومصادقة جديدة مشبوهة ظهرت أخيرا بين فئتي المنتكسين والليبراليين , طالما أصاب الأمة من أمثالهما صنوف الأذية والتشكيك والتلبيس , حتى غدا الواقع اليوم في كثير من الأحيان يعيش مرحلة التشويه والتشويش , وقد رأى المسلمون ما كانوا يسمعونه أو يقرءونه في كتب التاريخ , حينما برزت بعض الطوائف التي أوغلت في القطيعة لحقائق الإسلام وأهله , حتى امتحنوا العامة فضلا عن الخاصة ليغيروا من قناعاتهم الإسلامية التي نشئوا عليها , وقد كان هدفهم هو ذاك الواقع بتلك الصورة القاتمة التي وصلت إلينا , إلا أن الله سبحانه خذل أولئك في أولى مراحل خططهم , وقد بلغنا الإسلام صافيا وبلغنا تاريخ أولئك عكرا.

ولو أردنا أن نقرأ شيئا من التاريخ لقلنا: أين هي مكانة ابن أبي دؤاد من احمد بن حنبل بين أهل العلم , وأين هي مكانة شيوخ الأشاعرة والصوفية من احمد بن تيمية في شهرته في العالم الإسلامي , بل أين مكانة عامة أهل السنة من عامة أهل البدعة في صفاء العقيدة ونحن نرى تتابع المناهج الأخرى في الاستقاء من مصادر أهل السنة والمنهج السلفي , وقد قال بعض شيوخ السلفية: إن العامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء المبتدعة.

وفيما يماثل ذلك الخلل الفكري ما نشأ في العالم الإسلامي في وقت قريب - في عصر التصوف - ما يسمى بتقديس الأشخاص والهيئات , أو ما يوصف بوقتنا بصورة مقربة بـ (الحرية الشخصية) . حتى جعل هذا التقديس لرؤوس التصوف حق الشذوذ الجنسي - في مقابل الشذوذ الفكري في وقتنا - ليجعل أولئك المتصوفة ومن ورائهم بتلك الحرية بابا يهتكون به صروح السيرة الحسنة للمتدينين , والتي تناقلها الناس عن أهل العلم والدين عن بعضهم وارثا عن وارث , وقد ردع الناس في عصر أولئك الصوفية عن أن ينكروا أو يوضحوا أو يصححوا ما فسد في منهجهم الذي أراد منه النفعيون طمس معالم الإسلام باسم الإسلام الصوفي المزعوم.

حتى مر على الأمة الإسلامية فترة تخلف وانحطاط قادها ساسة المتصوفة النفعيون , أوصلت المسلمين إلى هذا الحد من الجهل والتخلف بحجة أن الشيخ الصوفي الفلاني (حر) بما يقول ويفعل , ولهذا لا تقولوا له شيئا و لا تردوا عليه. حتى بلغت الحال أن يقوم الصوفي المقدس إذا أحضر إليه مجنون لعلاجه بالرقية أن يختلي به - إن كان أمردا - اختلاء شاذا حتى يعالجه مما به من مس .. !! بل ويضع على رأسه مسحة التقديس حتى يفعل المجنون بالناس ما يشاء , كما تفعل الجواميس بالديار التي يقدسها أهلها.!

ولأن العلم (والردود) وضّح أمر أولئك وكشف حالهم وقف بعض أولئك المتصوفة مع ساسة الاستشراق - كما هي حال الليبراليين اليوم - لكي يرتبوا لفكرهم المنحط والمصور بالصورة نفسها اليوم. وقد وقفوا أمام من يريد كشف أحوالهم وتطورات شذوذهم ليصفوه بأسوأ الأوصاف من التشدد والغلو والإرهاب أو بالوهابية بالصورة المشوهة , حتى جاء أن المستعمرين أعانوا الصوفية في بناء التكايا والزوايا التي يمارسون بها طقوسهم , في وقت وقف فيه أولئك الشذّاذ أمام نشر العلم حتى لا ينكبوا.

بل بلغت الحال ببعض الصوفية في ذلك الوقت - كما فعل الليبراليون اليوم - لان يباركوا للغزو الصليبي على ديار المسلمين , كما حدث في بلاد المغرب الإسلامي آن ذاك , ولعل البعض يذكر ما فعله السنوسيون الصوفية مع عمر المختار رحمه الله - لما وقفوا مع الغازي الصليبي ضد جهاد تلك الفئة المجاهدة.

هاهو التاريخ بين أيديكم لتقرءوا ما قاله رئيس الطريقة التجانية في الجزائر بين يدي الكولونيل الفرنسي آن ذاك حينما قال له: إن من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا فرنسا ماديا أدبيا وسياسيا , ولكم أن تقرءوا أيضا تاريخ أبي حامد الغزالي رحمه الله - شيخ الصوفية - ليخبركم المؤرخون أنه ألف كتابه الإحياء دون ذكر لما يفعله الغزاة الصليبيون في وقته , وقد كان في زاويته في الجامع الأموي وهم من حوله وكأنه في كوكب آخر لا يعيش بين المسلمين , فما بالك بتلامذته.!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت