فهرس الكتاب

الصفحة 4596 من 28557

وبنظر هؤلاء الليبراليين والمنتكسين فما دام الإنسان له الحرية الشخصية المشابهة بصورة أوسع لتقديس الأشخاص كما سبق .. فله أن يقول ما يشاء وله أن يفعل ما يريد , وله أن يكتب مقلا شاذا وله أن يصور فساده بصورة مماثلة لعمل المتصوفة , ليطلع الناس على تلك السفاهة وعظيم الشذوذ , وليعيد للأمة تلك المرحلة المظلمة وإن كانت بوجه جديد وأسماء مختلفة.

ولأن أئمة الدعوة النجدية كشفوا للناس حقيقة ما يعيشه المسلمون في عصر الانحطاط الصوفي جاء أمثال هؤلاء الليبراليين والمنتكسين اليوم ليقفوا معا في خندق واحد ضد منهج أولئك المخلصين , وقد عاشت تلك الفئتين هما واحدا , ومنهجا واحدا , وقد التقت الأهواء والشهوات , وتلاقحت الأفكار , ليصفوا أهل العلم بأنهم يسعون لزعزعة الفكر , وأنهم يمنعون من حرية الرأي , تلك الحرية التي وجد فيها المنتكسون بغيتهم , ووجد فيها الليبراليون لعبتهم على هؤلاء المنهزمين ليكونوا لهم صدى لصوتهم الذي بح من سنين طويلة , حتى يؤنسوهم في وحشتهم.

لذا فإنه من الواجب أن يطلع هذا الجيل الجديد على مستوى الإحباط الذي مر بالأمة الإسلامية في تلك الفترة , والذي تسبب به جملة من أصحاب الأهواء الشخصية والمطامع المادية والشهوانية وإن تعددت مشاربهم , أو تجددت شخصياتهم في عصرنا , وإن سموا بأهل الوسطية أو التيسير , حتى لا يلدغوا من نفس الجحر الذي لدغ به كثير من المسلمين في عصور مضت , وحتى يعلموا أن هذا الفكر التلاقحي الجديد لا يتقن غير ذلك التخريب.

ولتلك الأهواء وجد المنتكسون بغيتهم عند الليبراليين , لأن الليبراليين أصحاب تجربة , لهم تاريخهم في نسف الحقائق وتقديس النفس والشهوة , و قد يستعينون ببعض الأفكار العلمانية إذا وجدوا فيها ما يفيدهم , كالانقلاب على تحكيم الشريعة والتي فيها ما يقطع عليهم تقرير أهوائهم واضطراباتهم , مما يضطرهم لأن ينقلبوا على المطالبين بتحكيم الشريعة كالدعاة وأهل الخير حتى يشوهوا من صورتهم ليسقطوهم من أعين الناس خوف كشفهم , سواء عن طريق كشف اختلافاتهم أو أخطائهم الشخصية أمام الناس والتي لا يخلو منها بشر , أو حتى عن طريق ذكر أقوالهم التي قد لا يستوعبها بعض العامة , وهذه من إحدى المراحل.

وقد بحث الليبراليون للمنهزمين طريقة ظريفة كي لا تكشف انتكاستهم للناس , حتى يمهدوا للناس تدرجهم في واقعهم الجديد وقد الجؤوهم إلى أن يمرحلوا انتكاستهم , وذلك بأن يجعلوا ما يعتقدون من أقوال عبارة عن قول آخر في مسألة خلافية مع قناعتهم أن ذلك القول مخالف لما يعتقدون , فلما رأوا أن طريقتهم قد كشفت انطلقوا إلى كتب الأصول ليخلخلوا مسألة الإجماع التي وقفت سدا منيعا أمام ترهات إخوانهم السابقين , حتى إذا جادلهم مجادل قالوا: إن الإجماع أيضا بحاجة إلى تحرير وضبط , وقد شككوا بعض الغفل في ذلك.

ثم تفاجئوا أن علماء المسلمين قرروا قضية أخرى مجمع عليها اثبت لها أهل العلم قريبا من مائة دليل , ليست بدعا من القول لها أدلتها وتقريراتها اعني مسألة (سد الذرائع) , قررها أهل العلم - في سالف الزمان لسد سيل الفساد الخلقي والعقلي لفئة المنهزمين المتساهلين أمثال هؤلاء , فكانت تكية سالفي هذا الفعل هي نفس تكية الخالفين التي جعلوها مرفئا يشركون المسلمين معهم في فسادهم حتى تختفي معالم انتكاستهم , وقد وقف باب سد الذرائع أمامهم حتى كشفت الحيلة وحتى اهلكوا أنفسهم في ذلك , فلما عجزوا بحثوا لهم عن حيلة أخرى كالشاة العائرة.!

فعمدوا إلى عقيدة بعض الجهمية وذلك بتقديم الشك على الكتاب والسنة , حتى رجعوا إلى مسائل في العقيدة شككوا المسلمين بحقيقتها وثبوتها مع أنه فرغ منها منذ قرون , فكانت طريقة بعضهم أن يسأل من يناقشه: ما دليلك على ما تقول؟ مع أنهم لا دليل عندهم , فيكون المناقش لهم قد تخفى عليه بعض الأدلة فيدخله الشك والحيرة , فلما حاورهم أهل العلم كشفت طريقتهم , فكان أن بحثوا لهم عن أسلوب آخر وطريقة أخرى.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت