فهرس الكتاب

الصفحة 23318 من 28557

وقوله - تعالى: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} : ينبه به - تعالى - على ضلال من ضل في وصفه - تعالى - بأن له ولدًا، كما يزعم من قاله من اليهود في العزير، ومن قال من النصارى في المسيح، وكما قال المشركون من العرب في الملائكة: إنها بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.

ومعنى قوله - تعالى: {وَخَرَقُوا} أي: واختلقوا وائتفكوا، وتخرّصوا وكذبوا، كما قاله علماء السلف

ثم قال ردًّا عليهم: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (*) ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 101 - 102]

فردّ عليهم بأنه خالق كل شيء، بما يفيد أنّ الاعتقاد بالبنوة لله - عز وجل -، إنما هو قدح في اعتقادهم ربوبيته، وبأنه خالق كل شيء. فهم بذلك أخرجوا ما اعقدوه ابنًا أو بنتًا لله - تعالى -، من كونه عبدًا مخلوقًا، إلى كونه ربًا شريكًا له في ملك الله، وهذا ما كانوا يعنونه في تلبيتهم عند البيت إذ كانوا يقولون: (( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك ) ).. أي كما يملك المرء زوجته وولده، لكنه لا يستغني عنهما.

وكذلك كان اعتقاد النصارى في عيسى - عليه السلام -، فإنهم بعد أن زعموا أنه ابن الله - تعالى -، ردّ عليهم الله - تعالى - فقال: {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (*) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 92 - 93] .

فادعاء البنوة لله - عز وجل - هو إخراج لهذا الابن المزعوم من دائرة العبودية إلى دارة الربوبية، حتى تجرأوا وقالوا هو الله، أو هو جزء من الله، سبحانه وتعالى عما يقولون.

وادعاؤهم ذلك هو شرك في الربوبية، كما قال الله - تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81] أي: فأنا أول العابدين لاستحقاق هذا الابن العبودية، ولا يستحقها إلا من كان ربًّا، كما هو معلوم.

فحيث إن الإله هو المستحق للعبادة بسبب ربوبيته، فإن ابنه - لو كان - يستحق العبادة كذلك، لأن ابن الشيء من جنسه، فعليه يكون ابن الرب ربًّا.

• ثانيًا: استخفافهم بعظمة الله - عز وجل:

إن نسبة الولد إليه - سبحانه وتعالى - هو شتيمة، كما جاء في الحديث الصحيح: «قال الله - تعالى: يشتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني، وما ينبغي له. أما شتمه فقوله: إن لي ولدًا، وأما تكذيبه فقوله: ليس يعيدني كما بدأني»

ولم يكونوا يتورعون عن الاستخفاف بعظمة الله وجلالته. قال - تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (*) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 21 - 22] ؛ فلم يكونوا يرضون لأنفسهم ما رضوه لله - عز وجل -، كما قال: {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ} [النحل: 62] ؛ هنا هم يُعظمون أنفسهم أشد من تعظيمهم لله.

ويقول أيضًا: {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57]

يقول ابن كثير عند هذه الآية:

ثم أخبر - تعالى - عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، وجعلوها بنات الله، وعبدوها معه، فأخطأوا خطأ كبيرًا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث، فنسبوا إليه - تعالى - أن له ولدًا، ولا ولد له! ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى (*) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 21 - 22] ، وقال هاهنا: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ} أي: عن قولهم وإفكهم {أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (*) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (*) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (*) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات: 151 - 154] .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت