فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولن تشعر بذلك بالفعل إلا إذا كنتَ مهتمًا بقضايا الإسلام والمسلمين، مستشعرًا لأهمية إعلاء دين الله -عز وجل- في الأرض، مشاركًا في العمل الإسلامي، لأن المتفرج مهما بلغت عاطفته ومهما بلغ من كونه مشجعًا، لن يكون كمن يدخل في المعركة بالفعل، فالمشاهِد لأي معركة من المعارك قد يدق قلبه، لكن لن يكون حاله كحال الجندي الذي يكون الرصاص والقذائف عن يمينه وعن شماله، ومن فوق رأسه ومن تحته.
الموقف إذًا يحتاج أن يكون كل واحد منا جنديًا للإسلام في المعركة، فنشعر أننا فعلًا مضطرون إلى الله وأننا لا نلجأ إلا لله وأنه لا يوجد أحد لنا في هذه الدنيا إلا الله -سبحانه وتعالى-، الدنيا ليست لنا؛ الدنيا كلها علينا ولكن لنا الله -عز وجل-: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) (النساء:45) ، وقال -تعالى-: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان:31) ، وكفى به -سبحانه وتعالى- ناصرًا لدينه ووليًا للمؤمنين.
إذا شعرنا بالاضطرار لجأنا إلى الله، أقمنا الصلاة، صلينا كثيرًا وصمنا كثيرًا، دعونا الله كثيرا لعل الله -عز وجل- يجعل في دعوة المضطر المبتلى المظلوم منا فرجًا جميلًا بإذنه -سبحانه وتعالى-. والمسلمون جميعًا قد ظلموا، ودرجات الظلم متفاوتة، فهم مضطهدون من أجل إسلامهم وطاعتهم والتزامهم بدين الله -عز وجل- مهما كانت الأسباب المدعاة من قبل أعدائهم تسويغا لاضطهادهم.
فالأمر مفهوم جيدًا؛ فحين يقول الأعداء: المسلمون يستحقون ما يجري لهم من قتل وتعذيب وسجن واحتلال لبلادهم، لأنهم هم الذين قتلوا وسفكوا الدماء وأرهبوا الآمنين فلنعلم أن كل هذه سحب دخان يطلقها الأعداء من أجل تشويه الصورة وإبعاد الناس وتخويفهم من الالتزام بدين الله -سبحانه وتعالى.
المعلم الثاني: الفقه الدعوي:
الأمر الثاني الذي لابد منه في هذه المرحلة هو الفهم الصحيح لفقه الدعوة التي نسير فيها إلى الله -عز وجل- وهذا يقتضي منا معرفة بمعاني الإسلام والإيمان والإحسان، والعلم بأنها لا تقبل تنازلًا ولا كتمانًا ولا تأخيرًا في البيان. نعم تتعدد الوسائل لكن المبادئ لا تختلف، نعم قد نعجز عن وسيلة في وقت معين لكن نستطيع إيجاد وسيلة غيرها، وهذا يجعلنا ثابتين على مبادئنا، ولا نكون كالذين يغيرون مبادئهم وعقائدهم كما يغيرون ألوان ثيابهم وكما تغير الحرباء لونها.
الحق عندنا لا يختلف -بفضل الله تبارك وتعالى- وإن كانت الفتوى تتغير من وقت إلى وقت، قد تتسع أو تضيق لأمور معينة، فهذا أمر لا شك فيه، وهذا الفهم إنما يحصل بالعلم النافع، بكثرة تلاوة كتاب الله وتفسيره وبكثرة تلاوة سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودراستها وبمعرفة التوحيد والإيمان وأحكام الفقه وخصوصًا فقه الأمر المعروف والنهي عن المنكر، لابد لنا من هذه المعاني وعلى الدوام، وألا نكون مجرد متعاطفين مع الالتزام، نريد أن نكون فاهمين فعلًا لمعاني الالتزام ومطبقين لها.
المعلم الثالث: تحقيق الأخوة في الله ولزوم الجماعة:
وهذا المعلم الثالث من أهم المعاني التي نحتاجها في ظروفنا الحالية، وهو أن نكون في البنيان، أن نقترب من بعضنا، أن يحب بعضنا البعض، أن نتعايش بمعاني الأزمة التي نحن فيها بالفعل، هذه الأزمة التي تجعل الناس كل منهم يسد ثغرة في هذا القارب الذي كثرت الثغرات فيه ويجتهد في أن يعين إخوانه على طاعة الله -عز وجل- ومرضاته: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2) .
ليس الابتعاد هو الحل، ليست مواجهة الخطر بأن نقول لابد أن أؤمن نفسي حاليًا إلى أن تنفرج، تأكد أنها موجات، وأنه لن تكون هناك موجة إلا التي بعدها أشد منها، والعلاج ليس أن تقول لابد أن أخرج من العمل الدعوي، من قارب النجاة في الحقيقة، إن خروجك من العمل الدعوي هو إلقاء نفسك في البحر. لكن العلاج والمواجهة أن تقول لابد أن أعبر هذا البحر ولابد أن نعبره جميعًا، الذي يخرج وييأس ويبتعد سوف يكون أول الغارقين.
إن الدعوة إلى الله هي سبب النجاة لا سبب الهلاك، قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) (الأعراف:165) ، وقال -عز وجل-: (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ) (هود:116) .
كثير من الناس يريد أن يبتعد بالفعل، ويخاف، يريد أن يسلم -كما يزعمون-، ليست السلامة في ذلك، السلامة في الاستمرار، السلامة في التكاتف، وأن تكون قريبًا من إخوانك مصيرك مصيرهم، أيما كانت هذه المصائب في الدنيا، مصيرك هو مصيرهم حتى تنجو عند الله -عز وجل-، لا تظن أنك عندما تكون مع إخوانك سوف تتعرض إلى أذى كثير، وأنك حين تبتعد عنهم سوف تكون سالما على الحق من بعيد، لا يصلح ذلك، لابد أن تكون على الحق قريبًا وفي موضع المعركة جنديًا من جنود الإسلام، عاملًا من أجل إعلاء كلمة الله -سبحانه وتعالى-.
والالتزام الحقيقي الصادق هو قارب النجاة - مع شدة الأمواج وكثرة الثغرات التي فيه وكثرة الأسماك المفترسة المحيطة به -، فلا ينبغي أن يتركه أحد من الناس، بل لابد أن نكون معًا يدًا واحدة نسد الثغرات المختلفة ونجتهد في أن يظل قاربنا هذا سائرًا ليعبر هذه اللجة بإذن الله -تبارك وتعالى-، وهو بإذن الله عابرها، ونسأل الله -عز وجل- أن يسددنا ويهدينا إلى سواء السبيل.
فلابد من الصبر والثبات وأعون ما يعينك على ذلك أن تكون قريبًا من إخوانك كما أوصى الله -عز وجل- إلى موسى وأخيه: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:87) .
فنقول أبشروا عباد الله،
لأن النور بعد الظلام، وأن الفرج مع الشدة، وأن مع العسر يسرًا.