فيه الفكر على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع.
كذلك لا يظن ظان أن ما نقصد إليه بالفكر هو بالضرورة مذهب أهل السنة والجماعة بذاته - أي الأسس العقائدية لمذهب الحق الذي ندين به - إنما هذا المذهب هو من خيوط الفكر ومن جزئيات مادته، فإن مذهب أهل السنة والجماعة - في معناه الواسع - يقدم القالب الإجمالي الذي يجب أن تدور من حوله عملية الفكر الجماعي والفردي، بحيث يكون ضابطًا لهما، ومانعًا من انحرافهما، ومن ثم ما يترتب عليهما من نتائج في حياة الفرد والجماعة على السواء. وهذا القالب إنما نعني به منهج النظر والاستدلال الذي ينبني على معطيات أصول الفقه، وعلى مقررات القواعد العامة الكلية في الشريعة. هذا المنهج الذي لم نر- حتى يومنا هذا - من تناوله بالدرس والتمحيص ليخلص منه بأصول للمنهج تشابه - على سبيل المثال لا المقارنة - ما وضعه ديكارت إبَّان حركة التنوير الأوروبية تحت عنوان"مقال في المنهج". وقد أشار كاتب هذه السطور إلى هذا الأمر من قبل - في مقال نُشر في منتصف الثمانينيات بمجلة"البيان"اللندنية تحت عنوان"حديث عن المنهج"- توجه فيه إلى مفكري المسلمين بشكل عام، ومنظّري الحركات الإسلامية بشكل خاص، إلى أن يولوا هذا الأمر انتباههم، وأن يهيئوا المناخ لمثل هذه الإفرازت الفكرية أن تنشأ، وتترعرع، فينشأ بها جيل من المفكرين، يوجه الحركة، ويصحح مسارها من حين إلى حين.
فإذا فرغنا من تحقيق هذه الأولية، ووجهنا النظر إلى الحركات الإسلامية المعاصرة - التي هي نتاج المجتمع الإسلامي المعاصر - رأينا فيها ما نرى فيه من سلبيات وإيجابيات، إذ نشأ رجاله في أحضانه، وتربوا على أفكاره، فكانت صورة منه. فلا غَرْوَ إن انعكس في هذه الحركات نفس الداء الذي أوقف نمو الحضارة، وعاق تقدمها في القرون الماضية، ونقصد به داء الركود الفكري.
فالحركات الإسلامية المعاصرة إذن تعاني ضعفًا فكريًا يعوقها عن تكوين قاعدة فكر أصيل، تبني عليه اتجاهها، وتوجه - من خلال حركته - حركتها، فيكون عملها منتجًا. ولا نحتاج إلى أن ندلل على ما نقول، إذ إنه منذ أن سقطت الخلافة إلى يوم الناس هذا - أي منذ أكثر من خمس وسبعين سنة - لم نر لهذه الحركات نتاجًا عمليًا مثمرًا، يشار إليه بالبنان، ويظهر أمام أعين الناس كالعنوان. وما هذا - فيما نحسب - إلا لغياب الفكر المحقق المدقق الذي يعقبه عمل متقن محكم. ونحن لا ننكر ما قدّمه الرعيل الأول من أبناء هذه الأمة في هذا القرن من فكر راقٍ أصيل، نتج عنه وجود الحركة الإسلامية ذاتها، من أمثال حسن البنا وسيد قطب ومالك بن نبي والمودودي - رحمة الله عليهم جميعًا - إلا أن هذا الفكر لم يتابع بما يسمح له بالنمو من ناحية، وبالتغيير والتعديل إن لزم الأمر من ناحية أخرى.
إن الفكر الذي نقصده ليس هو ما عبر عنه بعض كُتّابنا الأفاضل"بفقه الدعوة"أو"فقه الحركة"أو"فقه الاقلاع"، إذ هو يتعلق بمرحلة ما بعد الفكر البنائي الأساسي. فقه الدعوة أو فقه الحركة هو أقرب ما يكون إلى التنظيم والترتيب لا التأسيس والتنظير، ما نقصد بالفكر هنا إلا ذلك العمل العقلي الأساسي الذي تبني عليه الحركة، فكر التحليل ثم التركيب، فكر الجزئيات ثم الكليات، الفكر الذي يرى المشكلات في مبادئها الأولية، وما تنشأ عنه قبل أن يبدأ العلاج، ويقترح الحلول. عن هذا الفكر نتحدث، وهو ما نقصد إلى تحريكه من سكونه وركوده، وهو العمل الأول الذي يجب أن تضطلع به الحركات الإسلامية. هذه القدرة الفكرية هي ما يجب أن تربي عليها الحركات الإسلامية أبناءها ومنتسبيها، حتى يكون صفة عامة لهم، ينشأ عنها حسن التحليل والتوجيه ودقة الفهم والتأصيل، وهو ما يُنتج - بالضرورة - قيادات تتسم بدقة التخطيط، وأتباعًا يتصفون بحسن الأداء. حين ينتظم هذا الفكر، ويصبح صفة ملازمة لأبنائها، ينشأ حينئذ فكر الحركة، وفكر الحياة كلها. ففكر الحركة هو المبررات التي تجعل اتجاه الحركة في طريق معين اتجاهًا سائغًا له ما يبرره.
(يُتْبَعُ)