فهرس الكتاب

الصفحة 7762 من 28557

وإذا نظرنا إلى كبرى الحركات الإسلامية في هذا العصر - ونقصد بها حركة"الشهيد"البنا (رحمة الله عليه) - فإننا نجد مصداقًا لما قرّرنا من أن الفكر الحركي يعاني أزمة حادة نتجت عن الأزمة الأعم في جمود الحركة الفكرية في الأمة بشكل عام. فإن"الإخوان المسلمون"بعد أن فقدوا زعيم الحركة ومنظرها في نهاية الأربعينيات قد فشلوا في إعمال الفكر التحليلي، وردّ جزئيات الواقع المحيك بما تجدد فيه بعد عصر البنا - رحمة الله عليه - إلى أصولها، بحيث ينشأ عن هذه الحركة الفكرية الواعية فكر حركي يلائم معطيات الواقع الجديد، فيثمر العمل، وتتوج الجهود بالنجاح - أليس غريبًا أن تظفر دعوة البنا بهذا النجاح الهائل في فترة حياتها الأولى، وحتى وفاة مؤسسها، ثم إذا بها تضمحل من بعده، ويقل حصادها، حتى يصبح جُل ما تعيش عليه هو ذكريات الماضي؟. ولو كانت الحركة الفكرية شابة فتية - تسري في أبناء هذه الدعوة من خلال ما تربى عليه أفرادها في مجتمعهم الكبير، ثم في جماعتهم - لاستطاعت أن تواجه الواقع الجديد بما يناسبه من فكر حركي، يوحد الجهود، وينظّم الصفوف. وحتى لا نتجاوز حد الإنصاف، فإننا يجب أن نذكر أن التحدي الجديد - الذي واجه الدعوة بعد فقد مؤسسها - كان تحديًا تاريخيًا هائلًا، إذ انتقلت فيه المواجهة إلى آفاق جديدة لم تكن بهذا السفور والوضوح في العصر الأول من حياتها، ولكن أليس هذا هو دور المفكرين من أبنائها ومن أبناء الأمة كلها أن يتحرك فيهم الفكر، ويعمل العقل لإيجاد ما يلائم الواقع من أشكال عملية منتجة؟ ّّ!

وحتى لا نظلم حركة"الإخوان المسلمين"- في مرحلة ما بعد البنا - فإن سائر الحركات الإسلامية قد عانى مثل ما عنته هذه الحركة - بشكل أو بآخر - على درجات متفاوتة، وإن اشتركت كلها في أنها لم تغذّ هذه القدرة لدى أبنائها، ولم تنمّها بالقدر الكافي، بل إننا نحسب أنه في غالب الأحوال عملت قيادات العديد من هذه الجماعات على كبت ما يظهر من براعم فكرية، وذلك حرسًا على مكانتها القيادية، وتبنت مبدأ"الولاء قبل الكفاءة"ّ، فأبعدت من يستحق لحساب من يوالي. فانزوت البراعم الفكرية، ورضي القادة من الغنيمة بالاتباع!، ثم ما نراه حاصلًا في واقع بعض الحركات الإسلامية الأخرى من أنها تربي أبناءها على منهاج يدفع إلى تحقير الفكر لحساب العمل، فإن لم يكن ما تقدمه للدعوة عملًا حركيًا في التو واللحظة كنت من المخذلين المتقاعدين. وما ينشأ هذا الاتجاه إلا حين تضعف القدرة الجماعية على التوجيه الفكري الذي يسبق الحركة، ويوجّه عملها، أو نتيجة الرغبة الشخصية في دخول معترك العمل الإسلامي من أي باب كان، حين تجتمع في الفرد الرغبة المخلصة في العمل مع العجز عن التوجه الصحيح المبني على الفكر الواعي.

والمحزن في هذا الأمر أن نرى الحركات الإسلامية - التي تنعي على الأنظمة السياسية الكثير من ممارساتها مع مواطنيها - تكاد تتبع نفس سنن هذه الأنظمة في ممارساتها مع أتباعها من ناحية، ومع مخالفيها من ناحية أخرى، حتى أننا سمعنا من يردد القول: أن يتعامل أفراد حركته مع الأنظمة السياسية القائمة أفضل من أن تتعامل مع الحركات الإسلامية الأخرىّ، وحين نحلل هذا الموقف إلى عناصره الأولية نجد فيه مصداق ما ذهبنا إليه من أن أبناء هذه الحركات الإسلامية وموجهيها ليسوا إلا نتاج هذا المناخ الفكري الراكد، وأن جرثومة الإحباظ الفكري قد سرت في الجسد كله، بما فيه من انتمى إلى الحركات الإسلامية.

ولسنا - يعلم الله سبحانه - بذاهبين إلى هذا القول، وآخذين بهذا التحليل تقليلًا لقيمة العمل الإسلامي المعاصر، فإنه - على ما يحتاجه من توجيه وتقويم - أملُ الأمة الذي تعيش عليه، لعل الله - سبحانه - يُحدث من خلاله أمرًا. وإنما قصدنا توجيه النظر إلى حقيقة أن الحركة الفكرية التي تباطأت في أبناء الأمة بوجه عام قد أحدثت آثارها التلقائية في أبناء الحركات الإسلامية بشكل خاص، وأن تصحيح الفكر الحركي لا بد أن يبدأ بإذكاء حركة الفكر بشكل عام، إذ هما صنوان لا يفترقان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت