و حتى نسبغ على دعوانا هذه شرعية البرهان وقوة الحجة والدليل، فسنتناول بعض ما كان من نتاج الحركة الفكرية من جهة، ومن خراج الفكر الحركي من جهة أخرى، لنرى بأنفسنا مدى ما نعانيه من نقص لا يسده إلا جهد مخلص جبار واع.
وأول - بل خير - ما نبدأ به ذلك العمل الفذ الذي أخرجته قريحة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيما عُرف بكتاب التوحيد، فإن الأثر الذي تركه هذا العمل الفكري الديني التجديدي قد فاق أثر كل ما تركه عمل أجيال قبله أو بعده منذ تدهور الخلافة العثمانية، وبداية تفكك عُرى دولتها. والكتاب على أنه لم يقدم جديدًا من ناحية ما طرح من العقيدة - إذ هو مجرد جمع لما تفرق في شرح عقيدة أهل السنة والجماعة - ولكن مصدر قوته يرجع إلى مساق ذلك الجمع، وتلك القوة التي تضاعفت بحشد دلائل التوحيد وعلامات قيامه أو سقوطه، كما قررها رب العالمين، وكما بيّنها المصطفى - صلى الله عليه وسلم - صافية نقية قوية، لا مداهنة فيها ولا مجاملة. هذا العمل الفكري الفذ قد أفرز طاقة حركية هائلة تمثلت في حرة الإخوان (إخوان نجد) ، ثم استمر أثرها في كثير من الأعمال التي أصدرها عدد عديد من العلماء والدعاة، وعلى رأسهم السيد أبو الأعلى المودودي، و"الشهيد"سيد قطب، ثم ما كان من أثر هذا العمل في الحركات الإسلامية المعاصرة، خلاف حركة"الإخوان المسلمين".
ثم ما كتبه العلامة السيد محمد رشيد رضا - في العدد الأول من مجلة"المنار"في مطلع هذ القرن - حين تناول بالتحليل قوة الحضارة الغربية، وسبب تفوقها. فقد استطاع هذا العالم الجهبذ أن يرى - بنور عقله وبهداية الله سبحانه له - ما لم ترهُ أجيال من بعده، أو لنقُل ما فشلت أجيال من بعده أن تستفيد منه في حركتها. فقد قرر السيد رشيد رضا - حين تناول البحث في"منافع الأوروبيين ومضّارهم"- أن ما ساد الغرب من قوة تنظيمية أفرزت ما عُرف"بالمؤسسات" ( Organizations) - أو"الجمعيات"كما سماها - وعزا تفوق الغرب على الشرق إلى أن الشرق لا يزال يعمل بروح الفرد لا بروح الجماعة. وما ذكره السيد رشيد رضا هو أمر في غاية الدقة في التحليل وصواب النظر، فإن الغرب قد عرف نظام المؤسسات في منتصف القرن التاسع عشر، ثم استفاض استعمال هذا الشكل من التنظيم في بداية القرن العشرين، وأفردت له دراسات عديدة في مجال الأبحث الإدارية ونفسية الجمعيات وتصرفاتها ( Organizational Behavior & Human Performance System) ، وصار استعمال كلمة"النظام" ( System) سائدًا في كل مجالات العلم سواء الطبيعي أو الاجتماعي. وما أردناه في هذه الإشارة إنما هو التدليل على أن فكر السيد رشيد رضا قد ضرب في أعماق الحضارة الغربية وسبب تقدمها ما سبق به حتى فلاسفة الغرب في إرجاع تقدمهم إلى هذا الشكل من العمل، وعلى أن حركة الفكر التي قادها السيد رضا - رحمة الله عليه - كان يمكن أن تفرز نتاجًا عمليًا حركيًا لو قُيّض لها من يحملها، ويحول طاقتها من الفكر إلى الحركة.
وحين نتحدث عن الأعمال الفكرية المؤثرة في الحركة، فإننا لا نستطيع أن نتجاوز السيد أبا الأعلى المودودي، وما كتبه في بيان ما أحاط بعدد من المصطلحات من غبش في المعنى، قد أدى بدوره إلى اضطراب في الحركة المبنية عليها، وذلك في كتابه العظيم"المصطلحات الأربعة في القرآن"، حيث نتاول بالتحليل مصطلحات"الدين"و"الرب"و"العبادة"و"الإله"، ثم ما قدمه من فكر راق في تحليل النظام الإسلامي وبناء الدولة والدستور الإسلامي، وقد كان السيد المودودي مواكبًا لحركة بناء دولة باكستان، فكان فكره ونتظيره لأبناء حركته -"الجماعة الإسلامية"- مصدر إشعاع فكري لغيرها من الحركات التي اهتدت بما خطّه أبو الأعلى (رحمة الله عليه) .
(يُتْبَعُ)