ثم نصل إلى معلم من معالم الفكر في هذا العصر، تعدى آثره موطن صاحبه، وجيل صاحبه ليكون مصدر فكر حركيّ دائم متجدد، وهو كتاب"معالم في الطريق"للشهيد سيد قطب، والكتاب - على صغر حجمه - استطاع صاحبه أن يمهد الطريق إلى طلائع مباركة تأتي من بعده، تهتدي بكتاب الله - سبحانه - وبهدي سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - ويتمثل فيهم بعضًا من شمائل ذلك الجيل الفريد من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن مادة القرآن لا تزال حية كما أُنزلت، وسنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لا تزال محفوظة في الصدور وفي السطور، فحري بمن يتبعهما أن يرقى إلى قريب مما رقي إليه ذلك الجيل الفريد. وقد هلك في هذا الكتاب أُناس ترجموه إلى التكفير والعزلة الشعورية وغير الشعورية، وما إلى ذلك مما لم يقصد إليه الكاتب، ومن الناس من رماه بالغلو والخروج، بل وبالكفر والمروق، ثم إن بعض فضلاء الدعاة اعترض على بعض ما كتب الأستاذ سيد من أن جيل الصحابة لا تكرر، وهو صحيح، وإن كنا لا نذهب مع هؤلاء الفضلاء إلى ما ذهبوا إليه من تحليل لغرض سيد ومقصده، فليس هذا موضع الخوض فيه على أي حال. ومحصل القول أن الحركة الإسلامية المعاصرة في جيل الستينيات والسبعينيات ترجع - بشكل أو بآخر - إلى هذا العمل الفذ الذي قُتل صاحبه دونه، لتحيا كلماته من بعده.
أمثلة مضيئة من حركة الفكر التي توجه وتبني فكر الحركة، وتقود خطواته. وذلك ما نقصد إليه من أن الحركة بلا فكر لن تؤدي إلا إلى إنتاج أمثال من يلقي بنفسه في معترك الحركة الجهادية دون أن يمر بمرحلة الفكر لعجز فكري أو لسهولة الحل المطروح. والفكر بلا حركة لن ينتج إلا أمثال أولئك القاعدين ممن يحترفون الكتابة، ثم لا ترى لهم أثرًا في واقع حيّ أو عمل قائم.
إن التحدي الذي تواجهه الأمة الإسلامية - في عصرنا هذا - هو تحدٍ عام شامل يهدد كيانها ووجودها، يأتيها من بين أيديها ومن خلفها، تتكالب على تغذيتة القوى الشيطانية في الداخل والخارج. وهو تحدٍ يضرب قوى الأمة في الصميم، إذ ليس أضر على امة من أن تفقد قدرتها على الإنتاج الفكري. هو تحدٍ نفذ من نطاق العامة إلى نطاق الخاصة، وظهرت آثاره في اللعثمة الفكرية التي تتسم بها الحركة - فهو - من ثم - تحدّ يستحق أن يواجه مواجهة عامة شاملة، تشحذ لها القلوب والعقول، ثم تبسط لها الأيدي، تشمر السواعد حتى تخرج الأمة من المأزق التاريخي الذي يهدد كيانها ووجودها كأمة مستقلة، لها تاريخ وحضارة وفكر حكم العالم، وتفاعل معه قرونًا متطاولة. وما نحسب هذا متحققًا إلا بتحريك الفكر ودعمه وتقويته، وتهيئة مناخ يتربى فيه الفرد على"إعمال العقل"، واحترام الفكر وتقدير دوره في توجيه الحركة.
[مجلة المنار الجديد، 2000]