وأما الجهة الأخرى متمثلة في قيادة المدينة ورجالاتها فقد كان الإذن بالقتال من الكبير المتعال قد نزل به الملاك جبريل على النبي الأمين صلى الله عليه وسلم.
وكان لابد لهذه القيادة الجديدة والتي أخذت تبرز على مستوى الأحداث العالمية آنذاك من أن تبرز بقوة تستنهض معها الهمم، وتوقظ فيها الأمة من ذل طالما ران عليها حتى ظن أبناؤها أنها لن تنصر، وأن عليها أن تستورد حتى ما تعتقد ولا حق لها في الحياة بأكثر من الأكل والشرب من فتات موائد أسيادها من أهل الكفر شرقا وغربا.
كان لابد لهذه القيادة وهي تفكر في الأمر أن تبدأ لا بقتل العدو فحسب، بل لابد من العمل على تجفيف منابع اقتصاده، والحرص في الوقت ذاته على التوازن فهي تجعل عدوها يفقد صوابه حينما تجبره على خوض معركة ربما لم يكن قد خطط لها جيدًا أو تفتقر للزمان والمكان المناسب بالنسبة لعدوها فهي تريد حربا يفتقد فيها العدو إلى عمق التفكير، تريد أن تضع العدو في موضع المدافع لا المهاجم، بل المدافع الذي يدافع لمجرد الدفاع، مع حمله على الغطرسة في دفاعه والكبر فيحصل له الغرور والاستهانة بقوة الجيل الجديد الصاعد مما ينشأ عنه سوء تقدير يتبعه تخبط، وعدم القدرة على الرؤية الصائبة، فتتعدد الأخطاء، ويظهر العوار فيتضح للعالم أجمع أنها ليست كما يظنون بل إنها أقل شأنا مما يظنون.
ولذا كانت القيادة الإسلامية في المدينة بحاجة حقا لمعركة ترفع فيها معنويات الجيل الصاعد من رجال الصحوة الإسلامية المباركة فكانت هذه المعركة معركة بدر الكبرى.
وللمعركة دلالات في الزمان والمكان السابق واللاحق وكان لها أثرها على ما بعدها من أحداث كما أن أثرها سيمتد إلى عصور مديدة بعد ذلك حتى يومنا هذا ترتشف الأجيال الصاعدة من شباب الصحوة من رحيقها ويستنشق شباب الصحوة عبيرها.
فالزمان هو السابع عشر من رمضان لسنة 2 من الهجرة المباركة والمكان هو بدر حيث القمر في ليالي التمام، وقد أضاء نوره المعمورة وألقى ظلاله عليها ليشمل النور والهدى سائر البشر. نعم، وكيف لا واليوم يوم النصر، واليوم يوم الملحمة الذي فيها نصرُ الله لعبده، وإعزازه لجنده، فاليوم يوم الصبر حيث صيام بالنهار وقيام بالليل فتحصل التقوى الدافعة إلى الجنة والمنجية بإذن ربها من النار، فاليوم يوم الصدق مع الله حيث تصدِّق الأفعال الأقوال التي طالما سمعناها من أفواه الشباب الذين آمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبنبيهم صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا يُوحَى له من عند الله، وأنه فيما يوحى إليه أن الله سيتم هذا الأمر حتى يسير الراكب من المدينة إلى اليمن لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه.
فللزمان دلالته وللمكان دلالته.
كما أن أيضا لعدة القوم وعتادهم دلالته.
ولعل ذلك يتضح من مقولة عُمَيْر بن وهب الجُمَحِى عندما ذهب للتعرف على قوة المدينة ودفاعاتها، فدار بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلًا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد؟
فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئًا، فرجع إليهم فقال:"ما وجدت شيئًا، ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم."
فالقوم ليسوا من أصحاب العدد الكبير ولا العدة والعتاد بل إنهم خرجوا متحصنين بدينهم وشامخين بإيمانهم، إلا أنهم يحملون في جعباتهم الموت الناقع لعدوهم والبلايا التي تحمل المنايا، إنه وبلا شك حصن الإسلام الأخير الذي إن سقط ضاع الدين، ولعل هذا يتضح بجلاء في قول النبي الأمين - صلى الله عليه وسلم: (اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا) فإن في هذه المقولة، وذلك الحديث ما يرد على أولئك الذين يقولون أنه لا مجال للمجالدة والقتال ما دام ثمة تفاوت بيننا وبين عدونا في العدة والعتاد فهذه العصابة المؤمنة إن هلكت هلك معها الدين؛ فما لربها يأمرها بالقتال وهي بعد لم تحصل على الأسلحة النووية، ما لربها يأمرها بالقتال وهي بعد لم تحصل على الأسلحة البيلوجية والطائرات والصواريخ البالستية، ما لربها يخرجها ويوقفها في هذا الموقف؟!.
والمتدبر يعلم أن ربها قد أمرها؛ لأنهم وإن لم كانوا لم يحصلوا على ما حصل عليه أعداؤهم؛ فَحَسْبُهم أنهم قد أعدوا ما استطاعوا ولم يألوا، والله حسبهم وهو نصيرهم ومولاهم والكافرين لا مولى لهم، فيكفي لحسم المعركة عفة وصدق مع الله وتقوى وصبر ينزل لأجلهم جبريل ومعه الملائكة منزلين ومسومين، إن البلايا تحمل المنايا والموت الناقع الذي لا مفر منه لأعداء الله إنه الله الذي ثبتهم وجعل الكافرين والمنافقين يلوكون بقولهم قد غر هؤلاء دينهم، قادر وحده على نصرهم، وكيف لا نغتر بدين هو هدي للعالمين بل أستغفر الله بل هو اليقين وليس الاغترار بل هو التصديق وليس الشك أو التكذيب بل هو التوكل الذي يكون الله حسب صاحبه بل هو حفظ الله بالغيب الذي يحفظ الله صاحبه ولا ريب.
هذا، ولا يفوتنا أن للروائع الإيمانية التي شملت المعركة دلالتها فالمعركة تشتمل على الشيوخ والشباب والأطفال أي أنها تنتظم رجالات الأمة دون اعتبار لكبير أو صغير على مستوى الجيل الصاعد فهو جيل فريد جيل شعاره كن جادا مترفعا ولا تكن هازلا ولا مائعا جيل فرسان النهار ورهبان الليل، جيل كله فرسان تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم.
وكتب
أبو براء البدري
(يُتْبَعُ)