حتّى إنّ تلك الضُّغوط قد أدَّت في كثير من الأحيان إلى قتل العمل الإسلامي في مَهده، وكَبْتِهِ ووأدِه، والشواهد ناطقة بذلك، دالَّةٌ عليه، مشيرةٌ بحوادثها إليه ...
ولقد عاشَ الجيلُ الإسلاميُّ الجديد -منذ مدَّة مضت، وسنينَ خَلَت- بدايات تجديد لهذا الدِّينِ، صاحَبَه التزام بالدَّعوةِ إلى الله -سبحانه وتعالى- في سائر بلادِ الدّنيا، سواءٌ منها ما كان في الشرق أو الغَرب ...
وهذا الفجر لم يزل في أوَّلهِ، وفي بداية تنفُّسه، فهو غضُّ العود، هشُّ الأركان، لا يتحمَّل أن تضربه هَزَّةٌ، أو يصيبه بأسٌ .. فلو أنَّ شيئًا من هذا حَصَل -لا قدَّر الله- لكان له أعظمُ أثر سلبيٍّ على هذا الجيل الصاعدِ في هذه البداية المباركةِ الخيِّرة .. وهذا ما لا يتمنَّاه مَن في قلبهِ ذرَّة إيمان!
وفي ظلِّ هذه (البداية) العَصِيبة كان لا بدَّ مِن أن تكون التربية التي يُنَشَّأ عليها هذا الجيلُ الفَتيُّ الصاعدُ تربيةً علميَّةً عقائديّةً؛ تستفيد مِن النَّظَر إلى الوراء ... لا للتثبيط والإحجام (!) ولكن لِتُتقِنَ الإقدام، مستفيدةً من تجارب غابرِ الأعوام، وأحداثِها الجِسام، مُسْتَشرِفَةً بهِ مستقبلَ الأيام ...
ولكي تكونَ هذه التربيةُ ذات ثمراتٍ إيجابيَّةٍ صالحةٍ مُصلحةٍ، لا بدّ مِن تعاون أهل الحقِّ من أصحاب النَّهج السليم، كُلٌّ في مجال تَخَصُّصهِ؛ دعوةً وإرشادًا، ووعظًا، وتأليفًا، وفُتيا، وتوجيهًا ... بِحِلمٍ يبني، وتأَنٍّ يُرَبّي، وتراحمٍ يحمي.
فأن يُخالفَ أحدٌ مِن هؤلاء (المُتَصَدِّرين) هذا النَّهج في التربية والتوجيهِ، سالكًا طريقًا آخَرَ، قد جرَّبَهُ المُجَرِّبون، وسَلَكَه مِن قَبلُ -السالكون- يعتمد (تصعيدَ) اللَّهجةِ وأسلوبِ الخِطاب، ويسلكُ (طريقةَ) الاستفزازِ والمواجهةِ، اغترارًا بجموعٍ مدفوعة، وأصابعَ مرفوعة، وجماهيرَ محتشدةٍ مجموعة!!
فليس هذا -بحالٍ- مِن مصلحة المسلمين بعامَّةٍ، فضلًا عن ذاك الجيل الفتيِّ بخاصَّةٍ، بل المُستفيد منه -أوَّلًا وأخيرًا- هم أولئك المتربِّصون الَّذين يمكرون اللّيل والنَّهار المَكرَ الكُبَّار لمثل هذه اللَّحظة التي يُمَكِّنُهُم فيها المسلمونَ -أنفسُهم- (!) مِن أنفسِهم؛ وَلَو بذرائعَ مُلُفَّقة، وقصَصٍ مُختلَقَة!!
ولو نَظَرتَ -الآن- إلى العالم بقارَّاتِه؛ لرَأَيتَ دلائلَ ما قُلنا: آسيا، إفريقيا، أمريكا، أوروبا ... وإن شِئتَ: فَصَغِّر دائرةَ نَظَرِكَ، لِيَصلَ إلى نيويورك، والبوسنة، وطاجكستان، وأبخازيا، والصومال، وأرتريا، وأخيرًا ... مصر، والجزائر .. و .. !
فهلا استفدنا مِن هذه التجارِبِ التي كلَّفت الأمَّة ملايين النفوس، ومليارات الدولارات، فضلًا عن ضَعفٍ يضرِبُ بأطنابهِ فيها .. قد حلَّ في سهولها وبواديها ...
وهلا كانت تلك الدروسُ (المتكررة) سبيلًا يُوقِفُنا بأنفسنا على واقع أنفسنا، وأنْ لا سبيل يُصلح ويُغَيِّر إلا السبيل النَّبوي الواضحُ المعالم، البيِّنُ الدلائل، المبنيُّ على الاهتداء بالصبر واليقين ... اللَّذين بهما تُنال الإمامة في الدين.
{وجعلنا منهم أئمَّة يهدونَ بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} .
دونَ انفعالات حماسيّة، ومِن غير تأثرات عاطفيَّة، ومِن غير تصعيداتٍ كلاميَّة ضبابيَّة!!
ومع هذا كلِّه؛ فإنَّنا نبتهل إلى الله -سبحانه- أنْ يحفظَ دينَه، ويَكْلأ عبادَه، ويُبطلَ عمل الشيطان وكيده {فاللهُ خيرٌ حافظًا وهو أرحمُ الرَّحمين} .
فهل مِن ناصح أمين يَصدُقُ مع هذا الجيل الفتيّ، وَيَسُوسُه بهدي النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يُقدِّمه قرابين سائغةً في مذابح الطاغوت؟!
وهل مِن مُستجيبٍ لدلائل السَّداد في كلام العلماء الربّانيين الذين يُربُّون الأمَّة على صغار العلم قبل كباره؟!
ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين».
... هذا آخِرُ ما كتبته -يومَذاك- قبل خمس عشرةَ سنةً خَلَتْ!
ولكنْ؛ بَعد ذا: هل مِن مُستفيد؟!
هل مِن مُتّعِظ؟!
أم أنَّ المَسَار -وللأسَف الكُبَّار- في هُبوط وانحدار؟!
فواللهِ؛ إنَّ النَّفْسَ حَرُون، والقلبَ حزين ...
فما بالكُمُ والأُمور تُفْهَمُ عكسًا بعكس، وتُؤْخَذُ ظهرًا لِبَطْنٍ؟!
فالحالُ أشدُّ وأنكى -إذَنْ-!
لمثلِ هذا يموتُ القلبُ مِن كَمَدٍ
إن كان في القلب إسلام وإيمانُ
... وعَودًا على بَدْءٍ:
(يُتْبَعُ)