فهرس الكتاب

الصفحة 25643 من 28557

فنحن المسلمين لا يصح إيماننا إلا إذا كفرنا بكل دين (( (( يخالف دين الإسلام ) ))) ، وندعو جميع أصحاب هذه الأديان إلى الإسلام، وفي ذات الوقت نعامل مسالميهم بالبر والإحسان الذي أمر الله به.

هذا هو الموقف الشرعي الصحيح للمسلم من الكفار الذين يحاولون إخفاء وصفهم بالكفر تحت هذا الوصف العام"الآخر"الذي يشمل فيما يشمل من يخالفك في أمور لا تأثير لها: كاللون أو الجنس أو الوطن؛ فليرض هؤلاء"الآخريون"أو فليسخطوا فهذا هو دين الله!

ومع أن المحل الرئيسي لدعوة قبول الآخر هي الأديان إلا أنه يدخل فيها موقف أهل السنة من أهل البدع، والموقف الصحيح الذي ينبغي أن يأخذه المسلم المتبع لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- من البدع هو نفس الموقف الذي ينبغي أن يأخذه من المناهج الكفرية من ضرورة ردها وعدم المداهنة والمهادنة معها، ولزوم نصيحة الأمة بالتمسك بالسنة كما قال النبي -صلى الله غليه وسلم-: (فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

فالبدع ضلالات يجب إنكارها كالكفريات وإن اختلفت الرتبة؛ بيد أنه هنا ينبغي أن يُعلم أن عدم"مهادنة"البدعة لا يلزم منه إنزال المبتدع منزلة الكافر وإهدار ما معه من أصل التوحيد، وأنه إذا كان الكافر قد حصل على الحقوق العامة جدًا للإنسان من واقع الشريعة الإسلامية لا من واقع المواثيق الأرضية؛ فإن المبتدع الذي لم يكفر ببدعته له الحقوق العامة للمسلم من عصمة النفس والمال، ومن جواز المناكحة، وحل الذبيحة، والصلاة معه وخلفه مع إنكار بدعته والتغليظ عليه بشأنها على حسبها ومقدارها.

وأما الآخر الذي يمكن قبوله وفق الأدلة الشرعية فهو ما كان الاختلاف فيه من الخلاف المقبول شرعًا وهو ما لا يصادم نصًا من الكتاب أو السنة أو الإجماع القديم أو القياس الجلي من دقائق المسائل كما في قوله -تعالى-: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) (الأنبياء:79) ، أو من المسائل التي جاء الشرع بصحة أكثر من مسلك في أدائها كتعدد القراءات الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- للآية الواحدة.

وهذا النوع الذي يقبل فيه الآخر شرعًا لا يكاد يخطر على بال أحد من المنادين بهذا الشعار فجلهم من العلمانيين الذين يطالبون المسلمين بقبول الأديان الكفرية، والكف حتى عن وصفها بالكفر فضلًا عن نقدها، وبعدهم من القوميين أو القوميين الإسلاميين أو من الإسلاميين أصحاب الأفكار التجميعية الذين يطلبون من الملتزمين بالسنة قبول البدعة والكف عن نقدها، وهؤلاء وأولئك مخالفون لدين الله -عز وجل-، وكما هو الحال في كل فكرة مخالفة للشرع فلابد وأن تجد فيها تناقضا ذاتيًا مصداقًا؛ لقوله -تعالى-: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) (النساء:82) ، وأصحاب فكرة قبول الآخر يتناقضون تناقضات فجة ويتحولون إلى أشد درجات رفض الآخر، ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة:

المثال الأول: وهو مما يقع منهم كلهم تقريبًا حينما يبالغون في الإنكار على السلفيين بتشنج بالغ؛ لأنهم رفضوا فكرة قبول الآخر، وكان ينبغي عليهم إذ قبلوا اليهود الذين يرون أن جميع العالم ينبغي أن يكون حميرًا لشعب الله المختار، والنصارى الناسبين لله الصاحبة والولد، والملحدين وغيرهم أن يعتبروا أن رافضي هذه الفكرة هم بالنسبة لهم أحد"الآخَرين"الذين ينبغي أن يقبلوهم، ولكن الواقع أن لكل أحد مرجعية عليا لا يقبل فيها خلافًا، ويقبل الخلاف في كل ما عداها طالما لم يخل بها، هذه الفكرة عند الغرب هي الحرية و الديمقراطية، وعند"الآخرين"هي قبول الآخر، وينبغي أن تكون عند المسلمين هي:"الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة"، ونحن نقبل كل خلاف لا يخل بهذا الأصل، ونرفض كل خلاف يخل به كحالهم تمامًا مع أصلهم في قبول الآخر ورفض، بل و"إقصاء"من يرفضه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت