المتفرنج شبه إنسان؛ لأن الإنسان الأوربي أخلى باطنه من المحتوى الإنساني والفكري والكيان الخلاق، حتى أصبح من قمة رأسه إلى أخمص قدميه معدة مفتوحة، وفمًا فاغرًا يلتهم المنتجات الأوربية، ويكافئه الأوربي بأن يدهن له جلده الأجرب المنتن بالدهن الأوربي، ويلبسه لباسًا أوربيًا، ويرجّل شعره على الطريقة الأوربية، ثم يُشحن بالحركات والسكنات والإشارات الأوربية التقليدية المزيفة الشبيهة بالكليشهات تمامًا كما تُعبأ الآلة الحاسبة أو الساعة الرقمية، ثم يُرسَل إلى قومه ليُعطى الإذن بالعمل ويتحرك كما أراد له سادته، ويُوصف عند ذلك بأنه عصري متحضر أمام أبناء جنسه لتُثار فيهم داعية التقليد والاستهلاك، ولكنه يظل بين سادته يعرف قدره ولا يتجاوز حدوده، فيتقبل وصفهم له بأنه مقلد متشبه ليظل الشعور بالنقص يلازمه، وتظل جدلية الأم والطفل فعالة.
وكلما حاول أن يثبت ولاءه ويقول لسادته لقد صرت متحضرًا مثلكم يبتسم الغربي ويقول: لمّا بعد لأننا لا نزال ننتج، ولا نزال بحاجة إلى مستهلكين.
وكلما تسارعت وتيرة الإنتاج كلما ازدادت سرعة الاستهلاك -كما هو الحال في بعض دول الخليج- من أجل اللحاق بالركب المتأورب -لأنهم جاءوا متأخرين- ويظل الغرب سعيدًا بهؤلاء الممسوخين الذي لا يملُّون من الركض وراءه ولا يشبعون من نهم الاستهلاك.
إن المتغرب إذن أوفى مستهلك للصناعة الغربية لأنه لا يفكر بالإنتاج، وإنما يفكر كيف يستهلك بجنون لكي يواكب المنتجات الحديثة.
ولكي يوصف بالتحضر والرقي ولذلك فهو لا شخصية له، وفاقد للأصالة في شخصه ومنزله ومظهره، ولا تفوح كلماته برائحة أي شيء، بل تمثل في الأغلب كل شيء.
د بل إنه حتى نفسه لا يعرفها إلا من ألسنة الآخرين، وحقيقة ذاته يبحث عنها في كتابات المستشرقين، ويعتبر نفسه موضوعًا تحت مجهر الاستشراق، وهو مسرور جذلان ينتظر النتائج بفارغ الصبر، فإن قيل له خيرًا حمد الله [عز وجل] وإن قيل غير ذلك لام نفسه وأمته""وهذا هو أقبح أنواع التغرب، بل إنه طاعون التغرب""، يفتك بالذات حتى تفنى وتتلاشى أو تتحول إلى طاقة جديدة في تيار التأورب والاكتساح الذي لا يتوقف، ويظل المتغرب كالميت بين يدي المُغسِّل، فإن من شروط التغرب أن يكون الإنسان سهل القياد بلا جذور وبلا أصول، ولكي يصل إلى القيادة فلا بد أن يكون خفيفًا فإن""العادة أن الخفيف هو الذي يطفو على سطح الماء"".
لقد فهم الاستعمار وجرب أنه ما دامت الأمة تعتقد أن لها شخصية، فإن النفاذ إليها ليس بالأمر السهل، والثقافة والتاريخ في أمة دائمًا يؤديان إلى شخصية وتعصب، ولا بد للاستعمار من أن ينفذ إلى داخلها عن طريق فصلها عن تاريخها وجعلها غريبة عن ثقافتها، وعندما يرى المفكر نفسه خواء، فاقدًا للأصالة ولا جذور له، معطوبًا في شخصيته، فلا مفر له من أن يقترب بنفسه عن وعي أو غير وعي من الأوربي، الذي تبدل في هذه الحالة إلى أصالة إنسانية مطلقة، وصاحب ثقافة، وقيم معنوية مثالية وكمال مطلق، كما تغزل سلامة بالإنجليز، وقاسم أمين بالفرنسيين، ويصير مفتونًا به ضائقًا من نفسه، ويعوِّض بالتظاهر بالسمات الأوربية فقدانَه لخصائصه الأصلية وفقر شخصيته وخلائها.
أليس هذا هو السبب في أن العلمانيين لا يرون في تاريخنا إلا السواد والظلام، إنه ممسوخٌ في عقولهم لأنهم قرؤوه بعقول ممسوخة، ومظلم في أعينهم لأن الغرب ألبسهم نظارات سوداء.
عندما فعل الغرب ذلك - أي مسخ تاريخ الأمم المغلوبة - لم يعد لديه شيء آخر يقوم به، ذلك لأن الأمم نفسها جاهدت بكراهية وحقد خارقين للعادة في تخريب أنفسها بقدر ما تستطيع، وتحقير دينها وأخلاقها وأصالتها التي مُسخت، وبشوق وإصرار ألقت بأنفسها في أحضان الغرب.
كالطفل عندما يتعرض لغضب أمه يلجأ إليها هي نفسها من أجل أن يقاومها ويلقي بنفسه في أحضانها.
(يُتْبَعُ)