فهرس الكتاب

الصفحة 8514 من 28557

هذه الممارسات المسخية والتشويهية والعنصرية التي يتوجه بها الغرب إلى الأمم المغلوبة يدرك أن ممارسته لها لا بد أن تكون بنوع من التحضر، ولذلك فليس من حقه أن يجاهر بالنكران للشرقي والتجاهل لثقافته، عليه فقط أن يشعره بأنه عرق من الدرجة الثانية، وأنه لا يستطيع أن يتجاوز في تفكيره نظريات العرفان ونظم الشعر، أما الغربي فهو السيد الذي يفكر ويصنع ويحكم لأنه عرق أسمى، ولذلك يُحقَّق تراثنا الصوفي مرارًا بينما تراثنا العلمي تأكله الفئران.

ولكن السؤال لماذا؟ لماذا يسعى الغربي لأن يُشعر الشرقي بالدونية حتى كاد سلامة موسى أن ينسلخ من جلده ويستبدله ببشرة أوربية!؟ لأنه عندما يفهم الشرقي أنه من جنس أدنى وفي الدرجة الثانية، ويعتقد أن الغربي من جنس أعلى وفي الدرجة الأولى وصانع للثقافة، فإن علاقته به سوف تشبه علاقة الطفل بأمه، علاقة من هذا الصنف بين الأم والطفل ستقوم تلقائيًا على التبعية، فالمستعمر دولته هي"الوطن الأم"، أما المستعمرات في آسيا وإفريقيا فسكانها أطفال مفتقرون إلى التربية عليهم أن ينشأوا في حجره، وهذا ما تكشفه جدلية سوردل إذ تبين أن العلاقة بين الأم والطفل تقوم على أن: الأم تنهر طفلها، والطفل يلوذ بحضن الأم خوفًا منها وطلبًا للأمان، وهذه الجدلية تنمو بنفسها وتصبح عامل جذب، وعندما يحس الشرقي أنه غثاء وهباء، وينتسب إلى دين منحط، وينتمي إلى عرق وثقافة وتاريخ وأدب وقادة وماض كله منحط فإنه يشعر تلقائيًا بالعار، ويصدق بأنه كذلك منحط، ومن أجل أن يدفع التهمة عن نفسه يتشبه بالغربي حتى يعبر لهم بلسان حاله: لست من هذا العرق المتهم إنني من صنفكم، ويتظاهر بالتحضر والتغرب في سلوكه وتصرفاته وهيئاته وأسلوب حياته في شخصه ومنزله وزوجته.

إنه فعلًا منهم لأن""من تشبه بقومٍ فهو منهم"".

ولكن الغرب لا يقبله أصيلًا وإنما يقبله متشبهًا، ولا يقبله مُنتجًا وإنما مستهلِكًا.

إن علي شريعتي في تحليلاته هذه يضع يده على الداء، ويكشف عن سر المرض الذي أصيب به هؤلاء الممسوخين.

لقد هزِئ سلامة موسى من تاريخنا ولغتنا وحضارتنا واعتبرها لا تساوي شيئًا، ولغتنا لا يستطيع أن يصف بها أثاث غرفته، وعمر رضي الله عنه الذي شهد له القاصي والداني والعدو قبل الصديق بالعدل كان -بنظره- مستبدًا، والأزهر يبعث فينا الظلام، والشيوخ مأفونون لأنهم يتوضؤن في الطرقات، أما الإنجليز فنظاف أذكياء، وهم أرقى الناس على الإطلاق.

وطلب قاسم أمين أن نقتدي بالغرب فنغير قواعد لغتنا العربية لتصبح نهاياتها دائمًا سواكن كما في اللغات الأجنبية، ويتأفف لاستخدام الناس كلمة السيارة بدلًا من الأوتومبيل، ويريد أن نتقبل الكلمات الأجنبية في لغتنا بكل ترحيب، ودون تردد ودون ضوابط.

وتاريخنا بنظر فرج فودة كله قتل وسفك دماء وظلم واستبداد.

وهو كذلك بنظر سيد القمني محاكم تفتيش واحتلال وجيوش وسيوف وقسر وإرهاب وإبادة.

إن هؤلاء الناس أصابتهم هستريا التفرنج، بل إن الغرب أقنعهم بأنهم مجروبون فأخذوا يحكُّون جلودهم حكًا شديدًا كأنهم يريدون أن ينسلخوا منها، ولكن المرض في الحقيقة لم يكن جلديًا وإنما هو نفسي، ويستطيع طبيب نفساني مجرب أن يعالجهم بالدواء المناسب والوسائل اللازمة، ويعيد إليهم شخصياتهم المفقودة، ويعيد إليهم وعيهم وإنسانيتهم، وينتشلهم من دوامة الشعور بالنقص والحكة والجرب.

إن هذه اللغة التي لم يجد فيها سلامة موسى ما يعبر به عن أثاث غرفته كانت لغة الحضارة والعلم لبضعة قرون، ودُوِّنت بها علوم الفلسفة والتاريخ والفلك والرياضيات والأديان والأدب والشعر والوجدانيات، ولم يجد أهلها حرجًا في التعبير عن كل ما يريدون، بل كانت لغة طيِّعة مرنة تستجيب لكل متطلبات الحياة وأغراض البشر، وإذا كان سلامة موسى يعاني من نقص في قاموسه اللغوي، ويعجز عن تذكر أسماء الأثاث في غرفته، فليس من حقه أن يُحمِّل اللغة مسؤولية عجزه وجهله، لأنه لا توجد لغة في العالم كله عاجزة عن نقل الحضارة، لأن اللغة تزدهر إذا كانت الأمة مزدهرة، وتتكلس وتتقلص إذا جمدت الأمة وتخلفت، واللغة العربية قادرة -كما فعلت بالأمس- على التجاوب مع الحضارة بمختلف فروعها وأشكالها إذا أراد لها أهلها ذلك، لأن اللغة تحتاج إلى حوار ومحاورة، ومساءلة ومجادلة، ومخاطبة، وبقدر ما نتجادل معها نجدها

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت