فهرس الكتاب

الصفحة 8515 من 28557

سخية، وبقدر ما نحاول أن نكلمها نجدها مرنة ثرية، وليس تراجع اللغة العربية اليوم إلا لتخلف أهلها، وقلة تعاملهم معها، واتجاههم إلى العاميات أو اللغات الأجنبية فليس لأن لغتنا تخلفت تخلفنا، ولكن لأننا تخلفنا تخلفت لغتنا، إن اللغة ليست عامل تخلف، بل مظهر وتعبير عنه، ولو أننا سمينا أجزاء السيارة والطائرة والتلفاز والحاسوب على نحو ما سمى القدامى أعضاء البعير وأقسام السفينة وأجزاء المحراث، لما بقيت قطع غيار مستخدمات التكنولوجيا بلا تسمية في العربية الحديثة، ولما وجدنا فقرًا في التعبير عن الأدوات والاختراعات المتلاحقة يتبرم منه سلامة موسى وغيره.

إن أفضل سلاح يواجَه به التغرب هو"العودة إلى الذات"وليس من متطلبات الارتقاء بالذات التخلي عن الدين، لأن أوربا إذا كانت تقدمت لأنها تركت دينها، فنحن تخلفنا لأننا فعلنا ذلك، لأن السلاح الوحيد الذي نملكه للدفاع عن ذاتنا وكياننا هو الدين، لأن الدين والدنيا لدينا شيء واحد وضياع أحدهما يستتبع ضياع الآخر، وليس كما يحاول مفكرونا الذين صُنعوا في الغرب أن يقنعونا بأن الدين نوع من التعصب والرجعية والتخلف.

ولكن قد يسأل سائل إلى أي ذات نعود؟ أو إلى أي إسلام نعود؟ فالإسلامات اليوم كثيرة في الواقع الإسلامي، وشيوخ السلطة جاهزون لتمزيق الإسلام وتحريفه التماسًا لرضا أسيادهم؟ إن الإسلام المطروح والذي يراد العودة إليه هو الإسلام الرسالي نفسه، الإسلام"المحجة البيضاء، الواضحة، التي ليلها كنهارها"-كما جاء في الحديث- ذاك الذي جعل من طائفة من البدو الحفاة أمة استطاعت خلال سنوات قليلة لا تكاد تحسب في عمر الزمن أن تقضي على أكبر امبراطوريتين في العالم، وخلال سنوات أخرى أن تقيم حضارة فاتحة مسيطرة، وُلدت منها حضارة العالم اليوم، الإسلام هو نفسه الذي حوّل عمر بمرقعته -دون أن يحتاج إلى تغييرها-وأبو ذر الوثني قاطع الطريق-دون أن يحتاج إلى حلق لحيته أو تغيير راحلته أو لبس القبعة -حوّلهم إلى فاتحين ثوار وقادة عظماء، ولم تحُل دون ذلك لحاهم أو مرقعاتهم أو رواحلهم.

ولكن لأن الذي أصاب أمتنا من جراء التغريب والتأورب هو عملية مسخ وتشويه وليس إنكارًا وتجاهلًا، والمسخ والتشويه أنكى من الإلغاء والتجاهل، فمصيبتنا لذلك أشد من مصيبة الأفارقة، لأن الأفارقة أقنعهم الغرب بأنه ليس لهم تاريخ ولا حضارة، وهؤلاء يكفيهم أن يعودوا إلى ذاتهم فيكتشفوها، أما نحن فلم يقل لنا الغرب ذلك، لقد جاملنا الغرب وضحك علينا وخدرنا وأقنعنا بأننا أصحاب حضارة، ولكنها حضارة ممسوخة مشوهة مظلمة، ولذلك فلا يكفينا أن نعود إلى ذاتنا لأنها أصبحت مزيفة ومزورة، وإثبات التزوير والتزييف مهمة أصعب من إثبات الذات والوجود.

ولذلك فالعودة إلى الذات القائمة الآن لن يجدينا شيئًا لأنها مطموسة، قد مُثِّل بها أسوأ تمثيل، العودة يجب أن تكون إلى الذات الإسلامية الأصيلة"الرسالية"لأنها الوحيدة القريبة من بين كل الذوات، ولأنها الوحيدة التي تجمع شتات القلوب، وترضاها الجماهير، وتعبر عن كيان الأمة وشخصيتها وتطلعاتها وطموحاتها، لن تقبل الأمة اليوم أن يُعبّر عنها فرعون، ولا آشور ولا بابل ولا تدمر ولا كنعان، لا تقبل الأمة اليوم بالإسلام بديلًا.

إن الشمولية الإسلامية هي السد الوحيد الذي يقف في وجه التغريب والاستعمار المسيحي الأوربي، هذه الشمولية التي تحيط بكل كيان الإنسان جسمًا وروحًا وعقلًا، وتلبي كل طموحاته، وتجيب على كل تساؤلاته هذه الشمولية الجامعة هي الهوية والشخصية والكيان والذات، والماضي والمستقبل والحاضر، وهي ما تفقده إفريقيا، ولذلك كانت مادة خام للاستعمار الأوربي تقبلت كثيرًا من نصرانيته، واندمجت في حضارته، لأنها لم تكن مشمولة برؤية دينية كلية على نحو ما يفعل الإسلام بأتباعه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت