فهرس الكتاب

الصفحة 907 من 28557

الطائفة الرابعة نفاة القدر وهم فرقتان فرقة نفت تقدير الخير والشر بالكلية وجعلت العباد هم الخالقين لأفعالهم خيرها وشرها ولازم القول أنهم هم الخالقون لأنفسهم لأن في قولهم نفي تصرف الله في عباده وإخراج أفعالهم عن خلقه وتقديره فيكون تكونهم من التراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة إلى آخر أطوار التخليق هم بأنفسهم تطوروا وبطبيعتهم تخلقوا وهذا راجع إلى مذهب الطبائعية الدهرية الذين لم يثبتوا خالقا أصلا كما قدمنا مناظرة أبي حنيفة لبعضهم فأسلموا على يديه.

وفرقة نفت تقدير الشر دون الخير فجعلوا الخير من الله وجعلوا الشر من العبد ثم منهم من ينفي تقدير الشر من أعمال العباد دون تقديره في المصائب ومنهم من غلا فنفى تقدير الشر من المصائب والمعايب وعلى كل حال فقد اثبتوا مع الله خالقا بل جعلوا العباد معه خالقين كلهم ونفوا أن يكون الله هو المتفرد بالتصرف في ملكوته وهذا راجع إلى مذهب المجوس الثنوية الذين اثبتوا خالقين خالقا للخير وخالقا للشر قبحهم الله تعالى.

الطائفة الخامسة الجبرية الذين يعتقدون أن العبد مجبور على أفعاله قسرا ولا فعل له أصلا بل إثبات الفعل للعبد هو عين الشرك عندهم بل هو كالهاوي من أعلى إلى أسفل وكالسعفة تحركها الريح لم يعمل باختياره طاعة ولا معصية ولم يكلفه الله وسعه بل حمله ما لا طاقة له به ولم يخلق فيه اختيارا لأفعاله ولا قدرة له عليها بل الطاعة والعصيان من الأقوال والأعمال هي عندهم عين فعل الله عز وجل فرفعوا اللوم عن كل كافر وفاسق وعاص وأنه يعذبهم على نفس فعله لا على أعمالهم القبيحة ثم اعتقدوا أن المعاصي التي نهى الله عنها في كتبه وعلى ألسنة رسله إذا عملوها صارت طاعات لأنهم يقولون أطعنا مشيئة الله الكونية فينا بل لم يثبتوا الإرادة الشرعية البتة ومن يثبتها منهم يقول في الطاعات أطعنا الإرادة الشرعية وفي المعاصي التي سماها الله معاصي أطعنا الإرادة الكونية وأما هم فلم يثبتوا معصية أصلا بل أفعالهم جميعها حسنها وقبيحها كلها عندهم طاعات على أصله هذا الفاسد وفي ذلك رد منهم على الله تعالى أمره ونهيه ووعده ووعيده وفرضه على عباده جهاد الكفار وإقامة الحدود بل في إرساله الرسل وإنزاله الكتب فيجب عندهم تعطيل الشرائع بالكلية والاحتجاج على نفيها بالقدر الكوني ومحاربتها به وإثبات الحجة على الله لكل كافر وفاسق وعاص وهذا كفر لم يسبقهم إليه غير إمامهم إبليس اللعين إذ يحتج على الله تعالى بحجتهم هذه قال {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} والعجب أن هذا المذهب المخذول موروث عن جهم بن صفوان مع تناقضه في إثبات أفعال الله عز وجل فإنه لا يثبت لله تعالى فعلا بذاته أصلا بل أفعاله خارجة عنه قائمة بغيره من المخلوقات ثم ينقض ذلك بجعله أفعال العباد أفعال الله وهذا تناقض لكل عاقل فإن الفعل إنما يضاف إلى من قام به والقول إلى من قاله وكذا السمع والبصر والقدرة وغيرها محال أن تضاف إلى غير من قامت به ومحال أن يسمى فاعلا بدون فعل يقوم به ولو ذهبنا نعد تشعب الفرق من هذه الطوائف ولوازم كل قول مما انتحلوه لاحتاج إلى كتاب مفرد وقد افرد ذلك بالتصنيف غير واحد من الأئمة وقد قدمنا البعض من ذلك وذكرنا أمثلة من تحريفهم النصوص وسيأتي الكلام على الدهرية في الإيمان بالبعث وعلى نفاة القدر الغلاة فيه في باب القدر والكلام على الخوارج والمرجئة والمعتزلة وأشباههم في باب الطوائف التي خالفت في توحيد المعرفة والإثبات مرجعها إلى ثلاث فالحلولية والاتحادية والسلبية ومن في معناهم مرجعهم إلى الطبائعية الدهرية والقدرية النفاة بجميع فرقهم مرجعهم إلى المجوس الثنوية والجبرية الغلاة مرجعهم إلى النزعة الجهمية الإبليسية وقد قدمنا قول المؤمنين أتباع الرسل مبسوطا بما فيه كفاية.

منقول من موقع الدرر السنية

ـ [آل عامر] ــــــــ [28 - Mar-2007, صباحًا 09:52] ـ

جزاك الله خيرًا وأحسن اليك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت