فهرس الكتاب

الصفحة 2877 من 28557

فأولئك عندما يفشلون، أو يجبنون في مواجهة الحقيقة، أو الحديث عن الأسباب الفعلية، وعن أسباب النتن والعفن السياسي، والاجتماعي في مكان ما أو بلد ما، فإنهم بدلًا من اسقاط فلسفة الواقع على تاريخ الواقع والحاضر نفسه، فانهم يسقطون ذلك على التراث، ويعيدون نبش القبور، وهذه الحيل هي دائمًا وسيلة الرغائين الذين بلغ بهم الاستخذاء، درجة جعلت استجداء الغرب واسترضاءه، والركوع له بجلد الذات، وجلد التاريخ، وبالانكسار أمامه، والتسول في مقاهيه الفكرية، حدًا تجاوز المهانة والصغار والعبودية .. !

لقد سمعت أحدهم يهذي، ويجدف، ويذهب يمينًا وشمالًا، ببلاهة لا متناهية، ثم يختم حديثه: بأن كل ما يقع للعرب اليوم هو نتيجة لحادثة:"سقيفة بني ساعدة"، فقلت حقًا إن هذا يستحق براءة اكتشاف، وأن عليه ان يبلغ الانتربول فورًا لاصدار مذكرة استحضار تاريخي لأصحاب السقيفة .. !! لأن هذا يعني ان احتلال فلسطين منذ ستين عامًا، واجتياح بوش لبغداد، وقتل مليون ونصف شهيد في الجزائر واحتلال المغرب والسودان ومصر والشام، وما حدث في سقيفة سايس بيكو، كل ذلك كان نتيجة من نتائج سقيفة بني ساعدة!! وأن تخلف المكسيك والارغواي وما حدث في هانوي وهيروشيما وفي فيتنام، وإبادة الهنود الحمر، وربما محرقة"الهلوكوست"المزعومة، كل ذلك نتيجة من نتائج سقيفة بني ساعدة .. ربما بحجة ان اليهود اخرجوا وطردوا من حيث عادوا وان كل ما يحدث في عالمنا العربي اليوم من تدمير وتشريد وتجويع وتخويف، بل وحتى أمراض البواسير التي يعاني منها موظفو جامعة الدول العربية هو نتيجة لذلك ايضًا ..

شيء مخجل، وضحل أن تسمع مثل هذا الهذيان المحموم .. أن تسمع مثل هذه الخزعبلات التي يحاول أصحابها اضفاء روح الواقعية، والعلمية عليها ليجعلوا منها مشاجب ومبررات لتخلف وقهر الشعوب .. وهي مبررات متخلفة، وجاهلية ومختلة العقل، والحقيقة .. فالعصر اليوم تسوده فلسفة القوة ومنطق القوة .. وصناعة القوة لا علاقة لها بكتب التاريخ فموارد العلم اليوم وأبوابه مفتوحة للجميع، ومن يريد أن يصنع مجدًا وتقدمًا فإنه سوف يدركه .. ومن يدخل معركة التنمية الحقيقية فإنه سوف ينتصر .. فعباد بوذا، بل وعباد ومقدسو الأبقار، أصبحوا ينافسون أمريكا في صناعة التقنية .. لسبب بسيط وهو أن لديهم إرادة، ولديهم إصرارًا على صناعة الإرادة، وليسوا صُنّاع تبعيةٍ وعمالة .. !! كما أن موروثنا هو موروث انساني، وثقافتنا ثقافة إنسانية مثلها مثل جميع الثقافات الإنسانية، ليست كلها صوابًا، وليست كلها خطأ، ولكن المؤكد انه ليس في موروثنا ما يمنعنا من الإبداع والارتقاء، أو من الصناعة، أو من دراسة الطب، والهندسة والفيزياء والكيمياء وبناء المعامل ومراكز البحث العلمي .. ولكن مع الأسف اصبح الموروث هو كما يقول المثل الشعبي:"الجدار القصير"الذي يقفز عليه كل متشدق، أو مستغرب، أو شعوبي النزعة، لأن هناك أسبابًا للتخلف هو أجبن وأعجز من أن يخوض فيها ..

فيا أيها المتفلسفون اتقوا الله فينا إن كنتم ممن يؤمنون بالله .. أو فاتقوا نظرة الخجل والاحتقار من الآخرين لهذا الهدير الكاذب، والجعجعة المفضوحة، والهذيان المسرف، بل وهذه القوقأة التي تشبه قوقأة الدجاج .. فالدجاج هو أكثر الطيور صياحًا وبربرة وقرقرة .. وأما الصقور الجوارح فهي أقلها نطقًا وهي أصلبها مخلبًا.

وياأيها المهرجون أمام مسرح الذبح في العراق، وفلسطين، ومناطق أخرى في عالمنا المنكوب .. أعلموا انه عندما تدوي بنادق الصيادين في التلال والأودية، فإن الأغربة يكثر نعيقها، وأما الذئاب فإنها تعرف كيف تحمي أوجارها، وما أكثر صيادي هذه الأمة اليوم، الذين يصطادون ثرواتها وخيراتها، وأرضها وأمنها وإنسانها، وما أكثر كلاب الصيد من بني جلدتها التي تلغ في دمائها .. ولقد قيل: عندما تترقب قدوم الصّياد فإنك ترى كلابه أولًا .. !!

عبدالله الناصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت