فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أركون يبالغ في التجديف والسير بشكل معاكس للنسق المعرفي للأمة، على نحو لا ينم إلا عن خواء معرفي حاد، ويفرط في الانسياق خلف ما يمليه عليه خياله المأفون، ويتهم الإمام الطبري في تأويله لآية الكلالة (سورة النساء, الآية 12) بأنه قد زور هذه الآية لاضطهاد المرأة وتبرير الوضع المزري في تصوره الذي كان يحيط بها فهو يرى أن القراءة الصحيحة للفعل (يورث) هي البناء للمعلوم لا للمجهول كما هو المثبت في المصحف (انظر ص 52 من الكتاب ذاته) ، أركون يعتقد أن النصوص كشفت له وحده عن أسرارها، وأسلمت له دلالاتها قيدة مطواعة!!، ومما يبعث العجب أن أركون يمارس أستاذية مباشرة على الإمام الطبري، ويتدخل في اختصاصه المباشر، بل وبفعل تورم مرضي جامح ينصب ذاته إماما في اللغة، ومرجعا في علومها، حيث يستدرك على الطبري، ويفتي في قواعد العربية وأصولها، بل ويطمح إلى أن يقوم بدور تصويبي يصحح للخليل بن أحمد ويوجه سيبويه إمام النحاة!!، يفعل ذلك وهو قد تولى كبر المحاربة للغة بل ينادى بتفجيرها!؛ لأن بغضها قد ملأ عليه أقطار وعيه، ولذا فهو يصفها بأنها لغة منغلقة متخشبة ميتة!، إنه يستميت في أن يجعل كل شيء على حسب ما يمليه عليه عقله وتفكيره؛ لأنه انتهى بعد عمق تفكير إلى أن كل شيء خاطئ إلا هو!!، أركون هنا في حقيقته يقوم بسلوك تدميري ينسف الثابت عبر الزعم بتزوير القرآن وأن فقهاء التأويل يفرضون علينا عقائد مزورة لا تمت إلى الإسلام بصلة!، وبناء على هذا يوجب علينا أركون أن نذعن لمقولاته، وأن نشك في عقائدنا وأن نخضع القرآن - وهو المصدر التأسيسي الأول - للنقد الابستمولوجي الباشلاري، والمساءلة المعرفية لأن التزوير قد طال آياته بفعل عبث الفقهاء!، عقلية التخاصم تبرز هنا جلية بمكوناتها حيث يصنف المخالف له بوصفه المرفوض الذي يجب إلغاؤه!.
أركون يصف العقائد الاسلامية بأنها أرثوذكسية ويلح على أنها مجرد فروض فرضها الفقهاء وليس لها حظ من البعد الموضوعي حيث يقول: (يمكننا أن نبرهن على أن الأرثوذكسية المعاشة من قبل المؤمنين بصفتها الممارسة الحقة المطابقة للعلم الحق المنصوص عليه من قبل الله ليست في الواقع إلا عبارة عن مجمل القرارات التي اتخذت بالصدفة وعلى هوى الظروف والأوضاع من قبل الفقهاء ثم سجلت في نصوص مقدسة) (انظر ص 78من المصدر السابق) .
أركون يصعب عليه أن ينقد القرآن بشكل مباشر، أو أن يوجه إليه سهام الشك، ويضعه موضع المساءلة، كما هو الشأن في النصوص الأخرى فهذا يضعه في مأزق معرفي حيث سيفقد المتلقي الثقة في مقارباته، وسيشيح عنها بوجهه، ويتعاطى معها بنوع من الريبة والشك ولذا فأركون يجنح, -وكإجراء ذرائعي، فلديه براعة فائقة في الدجل التضليلي - إلى التقليل من قيمة العلماء والتشكيك في منطلقاتهم ليسهل بالتالي مصادرة ما توصلوا إليه من آراء، ولكي يجذر هذه الفكرة في ذهن المتلقي فهو يتعمد إرهاب القارئ بلغة ضبابية تعج بكثافة من المفردات والمصطلحات ذات الطابع الهلامي، يقول أركون: (الشيء الذي ينبغي أن يحظى باهتمامنا، هنا، وينبغي التركيز عليه هو ذلك الزعم المفرط والغرور المتبجح الذي يدعيه الفقهاء بأنهم قادرون على التماس المباشر بكلام الله) يعني فهم كتاب الله ووعي دلالاته (انظر المصدر السابق ص 16,15) إذا هو يتفانى في التأكيد على أن القرآن ليس إلا طلسما يتعالى على الفهم، ويستعصي على الوعي، ولذا فليس له أي قيمة عملية على أرض الواقع، وبناء على هذا يتحتم إقصاؤه، واستدبار نصوصه، هذه النتيجة العلمية الضخمة جهلها العلماء وأهل الاختصاص، وأدركها- وببساطة متناهية محمد أركون الذي ظن أنه مخول لأن يصبح مجتهدا، وأن يستدرك على الإمام ابن تيمية والشاطبي والغزالي، ولا يعي أنه لايزال يحبو-هذا إن كان مؤهلا للحبو- خارج حقل الفكر الإسلامي.
لا يكترث أركون بإجماع العلماء ولا يأبه بتواضعهم على شأن ما طالما أجمع بعض شيوخه على مباينتهم يقول أركون: (فالإجماع هنا هو إجماع الأغلبية العددية فقط هذا الإجماع الذي لا يكلف نفسه عناء تقويم الرهانات التيولوجية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على حذف قراءة معينة تبدو أكثر صحة ومنطقية من الناحية اللغوية والقواعدية) انظر: (من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي ص 38,37) .
(يُتْبَعُ)