الاختلاف ظاهرة صحية طبيعية في المجتمعات الراقية، وليس الاختلاف في ذاته شرًا، وقد اختلف الصحابة y في أمور كثيرة من الاجتهادات مع بقاء الأخوة التي يمثلها قوله r (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ ) )مسلم
متى يكون الاختلاف الديني شرًا
وإذا كان الإسلام يجمع ولا يفرق، بل إن مبادئه وتشريعاته تقتضي أن يعيش المسلمون في مجتمعاتهم مع غير المسلمين من أهل الكتاب، بل مع المجوس عباد النار حياةً تضمن فيها الحقوق وتراعى فيها الحرمات.
إذا كان الأمر كذلك فلماذا يؤدي الاختلاف باسم هذا الدين الحنيف بين بعض المسلمين إلى التنافر والخصومة؟ بل يؤدي إلى الشحناء والبغضاء؟.
والجواب إنما يكون الشر عندما يجهل الإنسان شرع الله تعالى في أسس الاختلاف المشروع وآدابه و يبتعد عن توجيهاته، فما هي الأسس والآداب الشرعية حتى نسلم من شرور الاختلاف.
أسس الاختلاف المشروع
الأساس الأول: لا يجوز أن يكون الاختلاف في نصوص القرآن والسنة ولا اجتهاد في موارد النصوص. (شرح يبين الفرق بين النصوص، والظواهر والمجملات)
الأساس الثاني: لا تجوز مخالفة الإجماع {ومن يشاقق الرسول .... وساءت مصيرا} .
الأساس الثالث: لايجوز الابتعاد عما كان عليه الخلفاء الراشدون y في سُنَّتِهِمُ العامة y قال رسول الله r في أواخر حياته مودعًا أصحابه y في ضمن موعظة بليغة وَجِلت منها القلوب، وذرفتْ منها العيون عن العِرباضِ بن ساريةَ t: (( وَإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَليْكُم بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْها بالنَّواجِذِ ) ) [أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح] .
الأساس الرابع: لايجوز الابتعاد عما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار y في سُنَّتِهِمُ العامة، قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة / 100]
الأساس الخامس: أن لا يؤدي الاختلاف إلى التنازع والشحناء والبغضاء، وهذه البغضاء تذهب بدين العبد وتستأصله لا تُبقي منه شيئًا، وقد سماها رسول الله r الحالقة، وذلك فيما رواه الإمام أحمد والترمذي والبزار، قال الهيثمي: بإسناد جيد، عن الزبير t (( دَبّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدّينَ ) ).
الأساس السادس: الحوار الهادئ اللطيف:
فالله سبحانه نهانا أن نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، وهم غير مسلمين فقال: {وَلا تُجَادِلُواأَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فمحاورة المسلمين أولى بذلك.
والله تعالى أمر موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام بالقول اللين عندما أرسلهما إلى فرعون فقال: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى 43} فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
وكذلك كان سيدنا محمد r وإليه أرشدت أمته، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍمِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوامِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159]
الأساس السابع: تشجيع النقد البناء وعرض الرأي
إن جو الحرية الشرعية؛ هوالمكان الذي تزدهر فيه الأفكار الصحيحة، أما حين يكون على الإنسان أن يفكر ألف مرةومرة قبل أن يقول ما يراه؛ لأنه سوف يواجه تهمًا وتشنيعًا وأذى فإن هذا مخالف لما ربَّى عليه النبي r أصحابه y ، وإن منع الناس من إبداء الرأي من جاهلية فرعون القديمة عندما كان يقول: قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى [غافر: 29] }
الأساس الثامن: الالتزام بفقه الإنكار
ومن أعظم جوانبه ما يلي
1 -لا إنكار في مسائل الاجتهاد التي يختلف فيها العلماء فهذهالمسائل لا ينكر فيها مجتهد على مجتهد، ويدور أمر المجتهد بين أجر وأجرين.
(يُتْبَعُ)