فهرس الكتاب

الصفحة 14513 من 28557

فأما العلمانيون فهم -واللهِ- خلفاء هذا الذي قال: (ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي) مع الفارق؛ فهم لا يطيقون ترك نساء بني الأصفر في الفضائيات من المغنيات والراقصات، ويحزنهم مجرد أن تسوءهم القنوات الإخبارية بعرض صور الحرب والدمار، ويحزنهم أن تخجل بعض"جواري"الغناء في العصر الحديث فيغلقن بعض حفلاتهم الماجنة إلى أن يتوقف شلال الدم؛ لذا تجدهم في شوق إلى إيقاف شلال الدم، ولو كان البديل أن يستمر القتلُ البطيء المنظم لكل من تسوِّل له نفسه أن يقف في وجه الأعداء.

وأما بعض المنتسبين للعمل الإسلامي الذين يرون ذلك، فمنهم من انطلق من رؤية تخذيلية لكل صور الصحوة الإسلامية حتى طال ذلك عندهم معظمَ الصور الدعوية السلمية متذرعين أيضا بمفاسد متوهمة لها، والكلام مع هؤلاء يضيق هذا المقام عنه.

وهذا لا يمنع أن الإعلام استطاع أن ينقل صورة تأثرت بها بعض قيادات العمل الإسلامي ورموزه العلمية والدعوية، وبعض الخطباء الذين لهم قبول عند العامة، فألقوا باللائمة على حماس مع تأكيدهم على وجوب نصرتها وتمني انتصارها وإن أخطأت التقدير، وإن كان الأجود هو ترك التقدير لهم على الأقل طالما أن الحرب قد بدأت بالفعل، ولأن جهاز المجاهدين الإعلامي مشغول بالحرب الإعلامية مع اليهود، وليس لديه الوقت الكافي لكي يقدم إلى إخوانه في العالم الإسلامي الموقف كاملا على أرض الواقع حتى يقتنعوا بصواب قراره.

ونحن -بحمد الله- ساهمنا بهذا القدر اليسير في الذب عن أعراض المجاهدين، ومن هذا الحوار الذي أجراه مركز"بيت المقدس للدراسات التوثيقية"مع الشيخ"ياسر برهامي"المشرف العام على موقع:"صوت السلف"وكان فيه هذا السؤال:

شيخنا الفاضل من ناحية فقهية حال استفزاز العدو وأنت لست كفؤًا له في العدة العسكرية؟ هل هذا جائز وهل هذا من الفقه المحمود؟

وكانت الإجابة:

لاشك أنه يلزم المسلمين أن يحسبوا قوة عدوهم، وقوة أنفسهم؛ لأن الله -عز وجل- قال: (الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ... ) (الأنفال:66) ، فهذا تقدير لقوة المسلمين وقوة العدو، والمسلمون إذا علموا أنهم مغلوبون مقتولون في معركة دون إحداث نكاية لم يجز لهم أن يقاتلوا، ولكن إذا كان هناك إحداث نكاية فالأمر على الاستحباب في الانصراف أو في الإقدام.

وأما إذا كان الأمر يُفرض علينا، يهجم العدو علينا فهذا جهاد دفع، ولا شك أننا لا نستفز الكفار إن كنا لا نقدر على مواجهته، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لحذيفة حين أمره أن يأتي بخبر القوم في غزوة الأحزاب كما رواه مسلم في الصحيح قال: (لا تَذْعَرْهم) ، مع أنه كان يقدر على قتل أبي سفيان، ولم يفعل؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: (لا تَذْعَرْهم) ، فنحن نقول ذلك، ولكن هل كان العدو فعلًا ينتظر لاستفزازٍ؟!

وإنما كان هذا فيما يبدو لنا نوع من محاولة تحصيل بعض المكاسب خلال مثل هذه العمليات، وهذا الأمر مرده في النهاية إلى القائمين على الجهاد؛ هم الذين يقدرون المصالح، نحن نجلس بعيدًا ثم نقول لهم: استفززتم العدو!!

هم أدرى بواقعهم، وننصحهم ونقول لهم: إن القواعد الكلية تقول إنك لابد أن تقدر قوة نفسك وقوة العدو، وعند ذلك تخوض المعركة أم لا.

ونحن نسأل اللهَ أن يسددهم، وأن يوفقهم، وأن يرشدهم لما فيه الصواب، لكن مسألة أنهم هم الذين استفزوا العدو .. الواقع يؤكد أن العدو هو الذي يستفز، وانظر كم من الآلاف من الأسرى في سجون العدو، فكيف ننكر عليهم رد الفعل وهم قادرون على الرد؟! وهم أدرى بذلك، وإذا رأوا المصلحة في التهدئة ولو ببعض التنازل فلهم أن يفعلوا ذلك إذا كانوا يرون أن المصلحة تقتضي ذلك في هذا الوقت"أ. هـ."

بيد أن الله قيض لهم من يدافع عنهم وهو الدكتور رفيق حبيب، وهو كاتب نصراني ومع ذلك فآراؤه حول الصحوة الإسلامية عمومًا وحركات المقاومة خصوصا، فيها كثير من الإنصاف وهو ممن يرى أن عيشَ نصارى الشرق في ظل الإسلام ولو في دولة الخلافة أكرم لهم من أن يعيشوا عبيدا لاحتلال غربي الذي متى تمكن ربما أعاد إلى الأذهان ما كان يفعله مع نصارى الشرق قبل أن يفتحها المسلمون -ولله في خلقه شئون-.

لقد كتب مقالة في جريدة المصريون عدد الأربعاء 14 يناير ذكر فيها حقائق كثيرة حول الهدنة والتهدئة قد تساهم في توضيح الصورة أكثر.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت