فهرس الكتاب

الصفحة 22101 من 28557

ومنها أنَّ التوكل على تعالى، هو مفتاح النصر، وتأمل ما في قول الله تعالى: (لاتحزن إن الله معنا) من حقيقة التوكل، الذي ألقى في القلب السكينة في أصعب الأحوال.

ومنها أنه لانجاح لأيِّ مشروع إلاّ بالتخطيط السليم، واستكمال الأخذ بالأسباب ـ بحسب القدرة ـ وعدم التفريط بأيّ وسيلة من شأنها أن تنجح المشروع،

وقصة الهجرة مليئة بهذا الدرس المهم، ولهذا لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة تنجح الهجرة إلاّ وأخذ بها، حتى جعل التموين لأسماء رضي الله عنه ـ وفيه أهمية دور المرأة في نهوض الأمة ـ وللاستخبارات: عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه، وللتغطية وتعمية العدوّ: عامر بن فهيرة، ودليل الطريق هو: عبد الله بن أريقط.

ومع أنّ الله تعالى قادرٌ على نصر نبيّه صلّى الله عليه وسلم بما شاء، غير أنّه أمره بأخذ كلِّ التفاصيل الدقيقة لإنجاح مشروع الهجرة بعين الإعتبار، حتّى إنّه جاء الصديق (متقنّعا) وقال له: أخرج من عندك، ليبلّغه الأمر بالمسير.

ثمّ إختفى في غار فمُهُ الضيّق بخمسة أشبار، وطوله ثمانية عشر شبرا، ولايتسع إلاَّ لشخصين، وفي طريق معاكس لطريق هجرته، ومكث فيه ثلاثة أيام، وذلك ليسنّ لأمته أنّ الإختفاء من الأعداء عند الحاجة، من حسن التدبير للرسالة، ولايتنافى مع الشجاعة، وفيه أبلغ رد على الأغبياء الذين يعيبون على المجاهدين التخفي في الكهوف!

وفي إختفائه صلى الله عليه وسلم في غار (ثور) الضيق، إشارة إلى أن الإنطلاقات العظيمة في (الثورة) على الباطل، تمرّ بمضايق ثم تنتصر.

ومن عجائب التقدير في قصة الهجرة أنّ (الإثنين) خرجا من الغار يوم (الإثنين) ، ودخلا المدينة يوم (الإثنين) ، وإنما ترفع الأعمال يوم الإثنين.

وفي الهجرة درسٌ يبيّن عظم فضل الصحابة، وأنَّ الدعوة أحيانا تستلزم تغيير البيئة لإنجاح المشروع، وانَّ مكر الأعداء مهما عظم، فلن يطفىء نور هذا الدين، وأنّ السعي للتمكين في الأرض، بإقامة الدولة المجاهدة الحاكمة بالشريعة من أعظم فروض الدين، ولو لم يمكن ذلك إلاّ بهجرة وجبت الهجرة على ما فيها من المشاقّ، وأنّ التمكين لايأتي إلاّ بعد الإبتلاء، وأنّ من صدق في نصر الدين، نصره الله وأيده بالآيات، حتى يسخّر له عدوه، وتأمَّل كيف أنَّ سراقة انطلق وراء النبي صلى الله عليه وسلم و الصديق، طامعا في جائزة قريش، فآل آمره إلى أن قال: فأخبرتهم أخبار ما يريد الناس، وعرضت عليهم الزاد والمتاع!

وأنَّ الدعوة إنما تأخذ في مراحل حتى تبلغ منتهاها، فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولهذا تفشل مشاريع العجلة التي تنشد إقامة نظام الحكم الإسلامي، وتنتهي إلى فوضى، لأنها لم تسلك طريقة النبوّة الهادية لكل خير، وتأمّل كيف أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يهاجر إلى المدينة ليقيم فيها دولة الإسلام، إلاّ بعدما شاع قبول رسالته فيها، ومهّد لدولته بإكتساب الأنصار، حتى قال جابر رضي الله عنه في حديث العقبة: حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلاّ ودخله الإسلام

وحتى مع قدومه المدينة، كان يتألف الناس، ويراعي ما هم فيه من الأحوال، ريثما ينقلهم بالتدريج إلى مشروعه، ثم بعد ذلك أطلق سيف الجهاد.

وأنّ الصراع بين الحق وبالباطل، يمر بمراحل: أولها بعث الدعوة إلى الحق، ثم الانتشار وكسب الأنصار، ثم المواجهة الحتمية مع الباطل بالحجة، والبيان، ثم معركة القوة، والسنان، ثم التمكين لأهل الحق، ولابد من الابتلاء، و الامتحان في مرحلتي المواجهة قبل التمكين، وقد تطول هذه المراحل فتأخذ عقودا، وقد تقصر، بحسب الأزمنة، والأمكنة.

وأنَّ تسلط الكفار وعلوّهم في بعض مراحل الصراع بين الحق، والباطل، سنة ماضية، لا تضر أهل الحق، ولاتدل على هوانهم على الله تعالى.

وأن الحقّ، إنما يُنصر بأنصاره من الرجال، ولهذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم مع المهاجرين إلى أنصاره، قال تعالى (هو الذين أيَّدك بنصره وبالمؤمنين) ، ولهذا لابد من حسن اختيار الأنصار لدعوة الحق، فإن وجدوا في بيئة أخرى، فليهاجر الداعي إليهم.

و أنَّ الله يجعل لمن يهاجر في سبيله مراغما في الأرض وسعة، فيفتح له أبواب الخير، ما ينصر به دعوته، مما لم يكن في حسبانه قط

تنبيه:

في أن الهجرة لم تكن في محرم، غير أن التأريخ الهجري ابتدأ به:

قال ابن حجر رحمه الله: (وعن ابن شهاب قال: كان بين ليلة العقبة - يعني الأخيرة - وبين مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث أشهر أو قريب منها". قلت: هي ذو الحجة والمحرم وصفر , لكن كان مضى من ذي الحجة عشرة أيام , ودخل المدينة بعد أن استهل ربيع الأول) "

كما اختلف العلماء في اليوم الذي دخل فيه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم، المدينة المنورة، قال ابن حجر: (في رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب"قدمها لهلال ربيع الأول"أي أول يوم منه , وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق"قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول"ونحوه عند أبي معشر , لكن قال ليلة الاثنين , ومثله عن ابن البرقي , وثبت كذلك في أواخر صحيح مسلم، وسيأتي في ذكر حديث في البخاري أنه دخلها يوم الاثنين 12 ربيع الأول) .

وإذا كان قد دخلها 12 ربيع الأول، فهو يوافق 24 سبتمبر 622م

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت