وهذا هو المشهور من مذهب مالك، قال مالك:"من شتم النبي قُتل، ومن شتم أصحابه أُدِّب".
وقال عبد الملك بن حبيب:"من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان، والبراءة منه، أُدِّب أدبًا شديدًا، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر، فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه، ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه وسلم".
وقال ابن المنذر:"لا أعلم أحدًا يُوجِب قتل مَنْ سب مَنْ بَعد النبي صلى الله عليه وسلم".
وقال القاضي أبو يعلى:"الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة: إن كان مُسْتَحِلاًّ لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلاًّ فسق ولم يكفر، سواء كفَّرهم أو طعن في دينهم مع إسلامهم".
وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة و غيرهم بـ"قتل من سب الصحابة، وكُفر الرافضة".
قال محمد بن يوسف الفريابي - وسُئل عمن شتم أبا بكر - قال:"كافرٌ، قيل: فيُصلَّى عليه؟ قال: لا، وسأله: كيف يُصنع به وهو يقول: لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسُّوه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته".
وقال أحمد بن يونس:"لو أن يهوديًّا ذبح شاة وذبح رافضي، لأكلت ذبيحة اليهودي، ولم آكل ذبيحة الرافضي؛ لأنه مُرْتَدٌّ عن الإسلام".
وكذلك قال أبو بكر بن هانئ:"لا تؤكل ذبيحة الروافض والقدرية؛ كما لا تؤكل ذبيحة المرتد، مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي؛ لأن هؤلاء يُقامون مقامَ المرتد، وأهل الذمة يُقَرُّون على دينهم، وتؤخذ منهم الجزية".
وكذلك قال عبد الله بن إدريس، من أعيان أئمة الكوفة:"ليس لرافضيٍّ شُفْعةٌ؛ لأنه لا شفعة إلا لمسلم".
وقال فُضَيْل بن مرزوق: سمعت الحسن بن الحسن - يعني: ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما - يقول لرجل من الرافضة:"والله، إنَّ قَتْلَك لَقُرْبَةٌ إلى الله، وما أمتنع من ذلك إلا بالجوار".
وفي رواية قال: رحمك الله، قد عرفت أنما تقول هذا تمزح، قال:"لا والله ما هو بالمزح، ولكنه الجد". قال: وسمعته يقول:"لئن أمكننا الله منكم لنُقَطِّعَنَّ أيديكم وأرجلكم".
وصرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان، وبكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة، الذين كفَّروا الصحابة، وفسَّقوهم، وسبُّوهم.
وقال أبو بكر عبد العزيز في"المقنع":"وأما الرافضي: فإن كان يسب، فقد كفر، فلا يُزَوَّج".
ولفظ بعضهم - وهو الذي نصره القاضي أبو يعلى:"أنه إن سبَّهم سبًّا يقدح في دينهم أو عدالتهم، كفر بذلك، وإن كان سبًّا لا يقدح - مثل أن يسب أبا أحدهم، أو يسبَّه سبًّا يقصد به غيظه ونحو ذلك - لم يكفر".
قال أحمد في رواية أبي طالب - في الرجل يشتم عثمان:"هذه زندقة".
وقال في رواية المرُّوذي:"من شتم أبا بكر، وعمر، وعائشة، ما أراه على الإسلام".
وقال في رواية حنبل:"من شتم رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما أراه على الإسلام".
قال القاضي أبو يعلى:"فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبِّه لأحد من الصحابة، وتوقف في رواية عبد الله وأبي طالب عن قتله، وكمال الحد، وإيجاب التعزير يقتضي أنه لم يحكم بكفره"، قال:"فيحتمل أن يحمل قوله:"ما أراه على الإسلام"إذا استحلَّ سبَّهم، بأنه يكفر بلا خلاف، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحلَّ ذلك، بل فعله مع اعتقاده لتحريمه، كمن يأتي المعاصي". قال:"ويحتمل أن يحمل قوله:"ما أراه على الإسلام"على سبٍّ يطعن في عدالتهم؛ نحو قوله:"ظلموا وفسقوا بعد النبي وأخذوا الأمر بغير حق"، ويحمل قوله"في إسقاط القتل"على سب لا يطعن في دينهم؛ نحو قوله:"كان فيهم قلة علم، وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة، وكان فيهم شحٌّ، ومحبة للدنيا، ونحو ذلك". قال:"ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، فتكون في سابِّهم روايتان، إحداهما: يكفر، والثانية: يفسق، وعلى هذا استقر قول القاضي وغيره؛ حكوا في تكفيرهم روايتين"."
قال القاضي:"ومن قذف عائشة رضي الله عنها بما برَّأها الله منه كفر بلا خلاف".
ونحن نرتب الكلام في فصلين؛ أحدهما: في حكم سبهم مطلقًا، والثاني: في تفصيل أحكام السبِّ.
أما الأوَّل: فسبُّ أصحاب رسول الله حرامٌ بالكتاب والسنة ... )) ، ثم أخذ شيخ الإسلام في سرد الأدلَّة من الكتاب والسنة في ذلك، وبيَّن دلالاتها، وأطال، ثم قال:
(( فصل في تفاصيل القول فيهم:
(يُتْبَعُ)