فهرس الكتاب

الصفحة 24335 من 28557

أليس من قصورِ النظرِ ومن الهوى والتعصبِ، النظرُ في أحوالِ المسلمين في هذه [الحقبة من الزَّمن] التي تدهورت فيها علومهُم وأعمالُهم وأخلاقُهم، وفقدوا فيها جميع مقوماتِ دينهِم، وتركُ النظر إليهم في زهرة ( [11] ) الإسلامِ والدينِ في الصدرِ الأولِ، حيث كانوا قائمين بالدين، مستقيمين على الدين، سالكين كل طريق يدعو إليه الدين، فارتقت أخلاقُهم وأعمالُهم حتى بلغت مبلغًا ما وصل إليه ولن يصل إليه أحدٌ من الأولين والآخرين، ودانت لهم الدنيا من مشارِقها إلى مغارِبها وخَضَعَتْ لهم أقوى الأمم وذلك بالدين الحقِّ والعدلِ والحكمةِ والرحمةِ، وبالأوصاف الجميلةِ التي كانوا عليها؟!

الجهاد في سبيل الله

أليس ضعف المسلمين ( [12] ) في هذه الأوقات يوجبُ لأهلِ البصائرِ والنجدَةِ منهم أن يكون جدُّهم ونشاطُهم وجهادهم الأكبر متضاعفًا، ويقوموا بكل ما في وُسعهم لينالوا المقاماتِ الشامخةَ ولينجُوا من الهُوَّةِ العميقة التي وقعوا فيها؟ أليس هذا من أفرضِ الفرائِض وألزَمِ اللازماتِ في هذا الحال؟ فالجهاد في حالِ قوةِ المسلمين وكثرةِ المشاركين فيه له فضلٌ عظيمٌ يفوق سائرَ العباداتِ، فكيف إذا كانوا على هذه الحالة التي وصفتَ؟ فإن الجهاد لا يمكن التعبير عن فضائله وثمراته. ففي هذه الحالة يكون الجهادُ على قسمين:

أحدهما: السعيُ في تقويمِ المسلمين ( [13] ) وإيقاظ هممهم وبعث عزائمهم وتعليمهم العلوم النافعة، وتهذيبهم بالأخلاقِ الراقيةِ، وهذا أشَقُّ الأمرين وهو أنفَعُهُمَا وأَفضَلُهُمَا.

والثاني: السَّعُي في مقاومةِ الأعداء وإعداد جميع العدد القولية والفعلية والسياسية، الداخلية والخارجية، لمِنُاوَأَتهم والسلامةِ من شرِّهم!.

"كيف يكون المسلم خدنا لأعدائه"؟!

أفحين صار الأمرُ على هذا الوصف الذي ذكرتَ، وصار الموقف حرجًا تتخلى عن إخوانك المسلمين وتتخلف مع الجبناء والمخالفين؟ فكيف مع ذلك تنضم إلى حزب المحاربين! الله الله يا أخي، لا تكن أقل ممن قيل فيهم:

(تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعُوا) سورة آل عمران: الآية 167.

قاتلوا لأجل دينِكم ( [14] ) أو ادفعوا لأجل قومِكم ووطنكم. لا تكن مثل هؤلاء المنافقين، فأعيذك يا أخي من هذه الحال الذي لا يرضاها أهل الديانات ولا أهل النجدات والمروءات. فهل ترضى أن تشاركَ قومَك في حالِ عزِّهم وقُوَّةِ عددِهم وعنصرهم، وتُفَارِقَهم في حالِ ذلِّهم ومصائِبهم. وتخذلَهم في وقتٍ اشتدت فيه الضرورةُ إلى نصرةِ الأولياء ورد عُدوانِ الأعداء؟ فهل رأيتَ قومًا خيرًا من قومِك أو شاهدتَ دينًا أفضل من دينِك؟

فقال المنصوح: الأمر هو ما ذكرتُ لك، ونفسي تتوقُ إلى أولئك الأقوام الذين أتقنوا الفنون والصناعاتِ، وتَرَقَّوا في ( [15] ) هذه الحياة.

"ترك الدين رغبة في حضارات الغرب"

فقال له صاحبه وهو يحاوره: رفضت دينًا قيِّمًا كامل القواعدِ ثابت الأركانِ مشرق البرهانِ، يدعو إلى كل خيرٍ ويحث على السعادِة والفلاحِ، ويقول لأهله هَلُمَّ إلى كل صلاح وإصلاح، وإلى كل خير ونجاح، واسلكوا كلَّ طريق يوصلكم إلى السعادةِ الدُّنيويةِ والأُخرويَّة. دينا مبنيا على الحضارة الراقية الصحيحة التي بنيت على العدلِ والتوحيدِ، وأُسسِّت على الرحمة والحكمة والعلمِ والشفقة وأداء الحقوق الواجبة والمستحبة، وسَلمت من الظلم والجشعِ والأخلاقِ السافلةِ، وشملت بظلِّها الظلِّيلِ وإحسانِها الطويلِ وخيرها الشاملِ، وبهائها الكامل، ما بين المشارق والمغاربِ، وأقَرَّ بذلك الموافِقُ والمنُصفُ المُخالفُ ... أتتركُها راغبًا في حضاراتٍ ومدنياتٍ مبنية على الكفرِ والإلحادِ، مؤسسة على الطمعِ والجشعِ والقسوةِ وظُلمِ ( [16] ) العبادِ، فاقدة لروحِ الإيمانِ ورحمتِه، عادمة لنور العلم وحكمتهِ حضارةٌ ظاهِرهُا مُزَخرَفٌ مُزوّقٌ، وباطِنُها خرابٌ، وتظنها تعمر الوجُوُد، وهي في الحقَيقِة مآلُها الهلاكُ، والتدميرُ؟ ألْم تر آثارها في هذه الأوقاتِ، وما احتوت عليهِ من الآفات والويلاتِ، وما جَلَبَتْه للخَلائِقِ من الهلاكِ والفناءِ والتدميرِ؟.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت